ا
بقلم رندا المُهر/ الأردن
صرتُ أرتجي الاهتمام بل أشحذه بنظراتي للحفاظ على كرامتي من أطفال الجيران، كم من مرة خابت نداءاتي أن يحملوا عني ما في يدي من أكياس الخضار والفواكه و...
"وا أسفاه! يا ليتني تزوجت!"
تزيد المساءات أوجاعي وأنا راجعة إلى البيت على صوت عندليب يصدح به مذياع على الطريق " يااللي شفت في عيني دموع وأنا دايما راجع وحيد".
أشق طريقي إلى مهجعي أحملق في سقف الغرفة، أو أنتظر وميض الشاشة.
فتتقاطر أجفاني على سيف قطع العمر، أقلب أطلال ذاكرتي على إنسانة عزباء مثلي؛ فلم تكن ضالتي سوى مأوى العجزة.
ابتسمت في وجهي عاملة كتب على صدرها " نحن في خدمتكم"، رحبت بي وسارت ترافقني في ممر طويل باهت الضوء..
سألتها:
_ ما شكل غرفتي؟
حدجتني بنظرة استنكار..
تجاوزنا بضع غرف إلى أن وصلنا غرفة فارغة.. إلا من سرير بجواره خزانة صغيرة، تقابلهما نافذة.
لم أفكر في أشياء كثيرة كي أحزمها بالحقيبة التي ألقيت بها على السرير. قالت:
_ هذه غرفتك من هذه الساعة.
تصبب العرق من جبيني، لم أتوقع أن تكون نهايتي في غرفة كهذه، سألتها:
_ أين الحمام؟
جذبتني من طرف كتفي إلى باب الغرفة؛ ثم أشارت إلى البهو. في نهايته ممر يؤدي إلى الحمامات، وتركتني. سرت حيث سيدات .. لم يسرحن شعورهن، وبعضهن لم يبلل وجوههن الماء منذ أيام ، فبدون شاحبات، ورائحة الدواء تتطاير من ثيابهن، تزكم الأنوف إلى أن وقفت على باب الممر الذي كشف عن عدد من الحمامات، ولجت أحدها، مساحته لا تزيد عن أربع بلاطات طولا في ثلاث عرضا.. مقعدة ودش جوارها، خرجت أنظر مرافق الدار. لفت انتباهي أن كل الغرف دون أقفال.
أسرعت إلى غرفتي وما إن ألقيت نظرة عليها حتى لمحت حقيبتي، فتحتها، وأخرجت ما فيها لأعزل الثياب الشتوية عن الصيفية، لكن لم تكن في الخزانة سوى درفة واحدة؛ وضعتها معا فيها، واستلقيت على السرير، أرفع من تحت قدمي غطاءََ وحيداََ؛ تدثرت به.
انسابت على خدي دمعة، لملمتها بكفي لما قرع جرس الغداء، وخرجت أنظر ورائي إلى باب موارب، وصلت حيث جهز الطعام، وجدتهن قد حرصن على مقاعدهن، والتففن حول الطاولة؛ بحثت عن مقعد بينهن واستندت براحة كفي على كرسي لأجلس فإذ به مغطى بنسيج باهت كأنه مضى عمر لم يبدل، ونحو صحن واحد -لا غير- وقطعة خبز، مددت يدي. فأدنت سيدة شفتيها من أذني:
_ ألقى بك أولادك هنا...؟
اندفعت كلمة من سيدة أخرى، تجزم بعصبية :
_ يحق لها أن تنكر وجودهم.
بقرع على الباب علا، وثبت فزعة رأيت أني أمام مرآتي، بجسد ورأس حقيقيين وبجبهة يمكنني أن أضربها بكف يدي.
...
