رمضان.. موسم إصلاح الأرواح.. والقلوب

 



بقلم/سهام فودة 



لا يأتي رمضان كأي شهرٍ يمرّ في التقويم، بل يدخل الحياة كأنه حدثٌ داخلي، شيء لا تراه العيون بقدر ما تشعر به الأرواح، وكأن السماء في هذا التوقيت تحديدًا تُعيد ترتيب الأرض، وتُهدّئ صخب الأيام عمدًا حتى يسمع الإنسان صوته الحقيقي. منذ الليلة الأولى، يحدث تغيّر خفي لا يمكن تفسيره بسهولة؛ الشوارع نفسها، البيوت ذاتها، الوجوه لا تختلف كثيرًا، لكن الإحساس العام يتبدل، كأن العالم يضع يده على قلبه فجأة ويتذكر أنه كان يركض بلا معنى. رمضان لا يزورنا ليغيّر مواعيد الطعام فقط، بل ليغيّر ملامحنا من الداخل، ليجعل الإنسان أقل انفعالًا وأكثر وعيًا، أقل استهلاكًا وأكثر تأملًا، وكأن هذا الشهر رسالة طويلة مكتوبة بلغة الصمت، تقول لنا دون ضجيج: توقفوا قليلًا… أنتم تتعبون أكثر مما ينبغي، وتنسون أنفسكم أكثر مما يجوز.

رمضان في جوهره ليس جوعًا ولا عطشًا، بل تربية دقيقة للنفس، تدريب يومي على القدرة على التحكم، على أن يمتلك الإنسان زمام رغباته بدلًا من أن تمتلكه، فكم مرة شعرنا أننا أسرى لعادات صغيرة لكنها تتحكم فينا كأنها سلاسل؟ وكم مرة ظننا أن القوة في الحصول على ما نريد فورًا؟ ثم يأتي رمضان ليقلب المعادلة ببساطة شديدة، ويُعلّمنا أن القوة الحقيقية ليست في الامتلاك بل في الامتناع، ليست في الانتصار على الآخرين بل في الانتصار على أنفسنا. في هذا الشهر، يصبح الامتحان واضحًا، ليس امتحان المعدة كما يعتقد البعض، بل امتحان الأخلاق، امتحان الصبر، امتحان اللسان حين يشتعل الغضب، وامتحان القلب حين تضيق الحياة أو تستفزه التفاصيل الصغيرة. الصيام لا يكتفي بأن يمنعك عن الطعام، بل يضعك أمام نفسك، ويجعلك تكتشف حقيقتك حين تكون متعبًا أو جائعًا أو محاصرًا بالتوتر، وكأن رمضان يهمس للإنسان: هذا أنت كما أنت… فهل ترضى عن نفسك؟

لكن الأعجب أن رمضان لا يفضحنا بقسوة، بل يربّت علينا، يفتح لنا بابًا واسعًا للعودة دون أن يوبخنا، يمنحنا فرصة إصلاح لا تشبه أي فرصة أخرى، وكأن الرحمة في هذا الشهر ليست مجرد معنى ديني نردده، بل طاقة حقيقية تسري في الهواء وفي البيوت وفي العلاقات. فجأة يصبح الاعتذار أسهل، والتسامح أقرب، والحديث مع الله أكثر دفئًا، والدمعة أكثر صدقًا، حتى الدعاء يبدو مختلفًا، كأنه يخرج من مكان عميق داخل الإنسان لم يكن يجرؤ على فتحه في الأيام العادية. وفي لحظات ما قبل المغرب، حين يتباطأ الوقت وتصبح الدقائق ثقيلة، لا يشعر الصائم أنه ينتظر الطعام فقط، بل يشعر كأنه ينتظر شيئًا أكبر، ينتظر راحة لا تُشبه راحة الجسد، بل راحة الروح التي أنهكتها الحياة طوال العام. تلك الدقائق تحديدًا تُعيد للإنسان وعيه بأنه كان يعيش بسرعة زائدة، يأكل الأيام كما يأكل الخبز، يركض خلف المال، خلف المشكلات، خلف الناس، ثم يكتشف أنه لم يكن يركض نحو شيء بقدر ما كان يهرب من نفسه.

رمضان يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم، يخفف قسوة التفاصيل، يجعلنا نرى الفقراء لا كخبر عابر بل كوجع حقيقي، نرى الوحدة لا كحكاية بل كحقيقة تعيش في بيوت كثيرة خلف أبواب مغلقة، نرى المحتاج لا كصورة بل كإنسان قد يكون أقرب إلينا مما نتخيل. وفي هذا الشهر، يصبح العطاء أكثر تلقائية، لأن القلب يتغير، ولأن الإنسان يشعر لأول مرة منذ زمن طويل أن السعادة ليست فيما نضعه على موائدنا، بل فيما نضعه في قلوب الآخرين. وربما لهذا السبب تحديدًا، يشعر كثيرون أن رمضان ليس موسمًا للعبادة فقط، بل موسم لإنقاذ الإنسان من قسوته، من أنانيته، من غفلته، من ضياعه الطويل في دوامة الحياة.

وحين يأتي الليل، يكتمل المشهد الروحي الذي لا يتكرر بهذه الصورة في أي وقت آخر؛ تهدأ المدن، تقل الأصوات، وتصبح السماء أقرب، وتبدو صلاة التراويح كأنها إعادة تشغيل للقلب، ليست مجرد ركعات تُؤدى، بل لحظات تصفية داخلية، وكأن الإنسان يخلع أثقاله على عتبة المسجد ويخرج أخف. حتى القرآن في رمضان لا يُقرأ بالطريقة ذاتها، بل يُقرأ وكأنه رسالة شخصية، كأنه يخاطب كل واحد منا باسمه، ويضع يده على موضع الألم الذي نخفيه. لهذا نجد أن كثيرين يبكون في رمضان دون سبب واضح، والحقيقة أن السبب واضح جدًا: إنها لحظة صدق نادرة، لحظة يتكلم فيها القلب بعدما ظل عامًا كاملًا صامتًا.

رمضان لا يصنع ملائكة، لكنه يذكّرنا أننا بشر، وأن البشر يحتاجون إلى إعادة ترميم مستمرة، وأن القلب مهما بدا قويًا يمكن أن يتآكل من الداخل دون أن ينتبه أحد، وأن الروح قد تمرض من كثرة التوتر، ومن كثرة الخذلان، ومن كثرة الركض بلا معنى. يأتي رمضان ليقول لنا إن الإصلاح ممكن، وإن العودة ممكنة، وإن الله لا يملّ من منح الفرص، حتى لو مللنا نحن من أنفسنا. ولهذا فإن أعظم ما في رمضان ليس موائد الإفطار ولا الزينة ولا مظاهر الاحتفال، بل تلك الثورة الصامتة التي تحدث داخل الإنسان، حين يبدأ في إصلاح ما كسره، ويغلق أبوابًا كانت مفتوحة على الخطأ، ويتخفف من ثقل كان يضغط عليه منذ زمن، ويستبدل قسوته بلين، واندفاعه بحكمة، وغضبه بصبر، وكأن الشهر يكتب بداخله صفحة جديدة دون أن يشعر.

في النهاية، يخرج الناس من رمضان على نوعين؛ هناك من يخرج كما دخل، كأن الشهر مرّ عليه مرور المناسبات، وهناك من يخرج مختلفًا، أخفّ، أنقى، أكثر قربًا من الله، وأكثر قربًا من نفسه. هؤلاء وحدهم يدركون أن رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام، بل صيام عن كل ما يفسد القلب، وأن العبادة ليست في كثرة الأفعال فقط، بل في تغيّر الإنسان من الداخل. رمضان موسم إصلاح الأرواح.. والقلوب، ليس لأن الشهر يحمل معجزة سحرية، بل لأنه يمنحنا شيئًا لا تمنحه الأيام العادية: لحظة وعي، لحظة مواجهة، لحظة صفاء، لحظة شجاعة نادرة لنقول لأنفسنا بصدق: لن نعيش كما كنا، ولن نعود كما كنا، فهناك داخلنا قلب يستحق أن يُشفى، وروح تستحق أن تُنقذ، وما دام الباب مفتوحًا، فلا عذر للذين يؤجلون العودة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology