حين يبدأ رمضان بلون | حكاية الأبيض والأخضر على موائد بلاد الشام.

ايمان السعودي 

مع أول مساء من رمضان

لا تبدأ الحكاية بصوت المدفع فقط ولا برائحة القهوة بعد الإفطار، بل تبدأ أحيانًا… بلون.

في بيوت بلاد  الشام من فلسطين إلى الأردن وسوريا ولبنان هناك تفاصيل صغيرة لا يلاحظها الجميع

لكنها تسكن الذاكرة.

 بعض العائلات تحرص أن يكون أول طبق في الشهر إما أبيض أو أخضر.

 قد تبدو مصادفة، لكنها في الحقيقة عادة قديمة تحمل 

في طياتها معنى وأملًا ورسالة غير معلنة.

الأبيض… لون الطمأنينة.

طبق منسف شيشبرك أو شاكرية  لبن مطبوخ يتوسط المائدة كأنه يقول: نبدأ شهرنا بقلب صافٍ. 

الأبيض هنا ليس مجرد لون بل دعاء صامت بأيام نقية، هادئة خالية من المنغصات. 

حتى اللبن الرائب الذي اعتاد الناس تناوله في رمضان يحمل بعدًا صحيًا وإنسانيًا فهو يهيئ الجسد للصيام

 ويمنح المعدة راحة كأنها استراحة قبل رحلة طويلة.

أما الأخضر…

 فهو لون الحياة.

ملوخية، سبانخ، كوسا، أو أي طبق تفيض فيه الخضرة. وكأن العائلة تعلن: نريد هذا الشهر أن يكون مزدهرًا نابضًا مليئًا بالبركة.

 الأخضر يشبه البدايات الجديدة يشبه الغصن الذي ينمو رغم كل شيء. 

هو رسالة تفاؤل بأن القادم أجمل.

الجميل في هذه العادة أنها لا تُفرض ولا تُكتب في كتاب لكنها تنتقل ببساطة من أم إلى ابنتها ومن جدّة إلى أحفادها. 

أحيانًا لا يعرف الأبناء سبب الإصرار على لون معين لكنهم يكبرون وهم يشعرون أن في الأمر معنى… وأن رمضان ليس فقط صيامًا عن الطعام بل امتلاءً بالقيم.

ورغم اختلاف البيوت والظروف تبقى الموائد الرمضانية أكثر من أطباق.

 هي مساحة دفء وذاكرة مشتركة ومرآة لثقافة عريقة تعرف كيف تحوّل اللون إلى دعاء والطبق إلى رمز

والعادة إلى حكاية.

رمضان في النهاية لا يُستقبل فقط بما نأكل…

بل بما نحمله في قلوبنا من نيةٍ بيضاء وأملٍ أخضر. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology