بقلم #قمر_عبد_الرحمن
من رهافة الشاعرة إلى شموخ الخنساء، في لحظةٍ يتكاثف فيها الألم حتى يصير لغةً قائمة بذاتها، تخرج آلاء القطراوي لا بوصفها كاتبةً، بل بوصفها معنى. امرأةٌ فلسطينية جمعت بين رقّة القصيدة وصلابة الصبر، بين بياض الفراشة وسواد الركام، فصاغت من الفقد مقامًا أخلاقيًا، ومن الحزن بيانًا إنسانيًا مفتوحًا على العالم.
في كتابها «فراشتي التي لا تموت» كانت تؤسس لرؤية ترى في التحوّل خلاصًا، وفي الهشاشة قوةً مستترة. الفراشة عندها ليست مجرد استعارة، بل كائن مقاومة؛ تولد من شرنقة العتمة، وتصرّ على الضوء.
غير أن القدر شاء أن يمتحنها في أعمق نقطةٍ من أمومتها. أربعة أطفال (يامن، كِنان، أوركيدا وكرمل) قضوا تحت الأنقاض في الحرب، فغدت الأمّ هي النصّ، وصار الصبر قصيدتها الكبرى. لم تعد أسماؤهم مجرد حروف تُتلى، إنما نجوم صغيرة في سماء ذاكرتها، تناديها كلما كتبت، وترافقها كلما رفرفت فراشتها في فضاء اللغة.
هنا تتبدّل الصورة، من شاعرة رقيقة تمشي على أطراف الكلمات إلى خنساء العصر، تستعيد في ثباتها سيرة الخنساء لكن بروحٍ معاصرة، تعيش الفاجعة أمام عيون العالم. ليست المقارنة هنا مجرد استدعاء تاريخي، بل قراءة في جوهر المعنى؛ امرأةٌ فقدت أبناءها، ولم تفقد إيمانها، ولم ينكسر صوتها، بل ازداد صفاءً وصلابة.
ووسط هذا الامتحان القاسي، يجيء وصولها إلى القائمة القصيرة لفرع «المؤلف الشاب» في جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية، كاعتراف دولي بصوتها الأدبي وقوة تجربتها الإنسانية. فقد تأهلت بين أكثر من أربعة آلاف مشاركة من ضمن 74 دولة حول العالم، ما يعكس اتساع حضورها الدولي ويمنح ترشيحها وزنًا مضاعفًا ودلالة عميقة.
هذا الإنجاز شهادة على حيوية الكتابة الفلسطينية الشابة، وقدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والتجربة الخاصة إلى أفق إنساني مشترك. آلاء القطراوي لا تكتب لتُبكي، بل لتُحيي المعنى؛ تشيح بوجهها عن المأساة، وترتقي بها إلى مقام الشهادة الأخلاقية.
اليوم هي مثال يُحتذى به لكل نساء فلسطين، ولكل امرأة في العالم تبحث عن صيغة للثبات في زمن الانكسارات. حيث أثبتت أن الفقد ليس ضعفًا، وأن الحزن يمكن أن يتحول إلى طاقة نورانية، وأن الفراشات حتى وإن حاصرتها النيران لا تموت؛ لأنها تسكن الأرواح.
ولهذا، فإن تهنئتنا بوصولها لهذه المحطة المرموقة ليست مجاملة أدبية، إنما اعتراف بقيمة صوتٍ عرف كيف يظل إنسانيًا في أقسى الظروف. هنيئًا لآلاء القطراوي هذا الاستحقاق، وهنيئًا للأدب العربي بامرأة جعلت من صبرها بيانًا، ومن فراشتها وعدًا بأن الحياة، مهما أثقلها الركام فهي قادرة على التحليق من جديد.

