بقلم خديجة الزهراوي _ المغرب
حكاية مطر
فطمت السماءُ الشمس،
وأخفتها خلف سُحبٍ ثقال،
وكان أولُ فيضٍ
في آسفي.
من هناك
بدأت الحكاية.
سماء
عانقت أغلب بقاع المغرب،
وأرضٌ
صارت كحليبٍ بالقهوة،
وفاض المطر
حتى غرقت المدينة
وهي تستنجد،
والدموعُ سدٌّ لا يكفي.
آسفي
لم تكن مدينةً فقط،
كانت ذاكرةً
تُهدم بالماء،
وكانت الفاتحة
لحكاية المطر.
اختلطت الدموعُ بالأرواح،
بالزخارف، بالقماش، بالحُليّ،
ألوانُ المدينة
ذابَت في بعضها،
بحرٌ أبيض بأزرق،
ومرجُ البحرين
لا يلتقيان.
مات من مات،
ونجا من نجا،
وطُبْطِب على القلوب،
وعمّ العزاء،
وتشابكت الأيادي
حين عجز الكلام.
كان الأمرُ مفاجئًا،
فاستفاقوا على السماء
وهي تحضن الشمس،
راحوا يحصون القطرات،
يُعلنون النشرات،
إنذاراتٍ وإرشادات،
كأنهم يفاوضون الغيم.
وما إن هدأت الفيضة الأولى،
حتى اختنقت الشمس ثانية،
وركلت عنها سُحبًا ثقالًا،
لتحطّ الرحال
في القصر الكبير،
وسيدي سليمان،
وتطوان،
ودواوير
لم تسأل:
من كان،
ومن لم يكن.
نزلت المياه
في كل شيء،
وخرجت
من كل شيء.
كانت فاجعةُ آسفي
إنذارًا،
فأخذوا الحيطة والحذر،
لم تُزهق الأرواح،
لكن انكسر الكثير
مما ذهب
ولن يعود.
حكاية مطر
بكى القلب
مع من بكوا
على أبقارهم وأغنامهم
وهي تغرق،
وهم راحلون.
لم تكن حرقةُ رزقٍ فقط،
بل فراقُ علاقة
تتجاوز الملكية:
حبٌّ صامت
بين الإنسان
وما ربّاه بيده.
كم من شخص
يبكي غنمه عند بيعها،
وكم من طفل
يعانق حصانه
وينام في حضنه،
وكم من امرأة
تغرق في حزنها
إن مرضت بقرتها،
وكثيرون
يفقدون اتزانهم
إن أصاب القط أذى.
فكيف يُحتمل
رحيلهم جميعًا
أمام العيون،
والعجز شاهد؟
لكنهم حاربوا،
أنقذوا ما استطاعوا،
تمسّكوا ببعضهم،
قاتلوا معًا
لا فرادى،
فلم تُسجَّل خسارة في الأرواح،
رغم الجراح.
حكاية مطر
هناك من حمد وشكر،
من بكى وانقهر،
وهناك من مدّ يد العون
ولو بنصف رغيف،
فامتلأ الخبز
محبة.
وهناك من وهب روحه
لينقذ أخاه
من بحيراتٍ
صنعها المطر،
وهناك من اختار الصمت،
لأن الصمت
أحيانًا
أرحم من كلمة.
وعلى النيّات
يُرزق الإنسان،
وربُّ المطر
يعرف القلوب.
قدرُ الله
وهو مع الصابرين،
والشاكرين،
والراضين بالقدر.
سحابةٌ عابرة
يا وطني،
وسننهض جميعًا
من جديد،
بعزّةٍ ومثابرة
نكتب قدرًا آخر.
ومن يوكل أمره إلى الله
فهو نعم الوكيل،
وصبرٌ جميل،
والله المستعان.
10/02/2026
