بين الجرامافون ورائحة القهوة

 





 بقلم هيا برماوي



أمسكتُ كوب القهوة الدافئة وتوجهتُ إلى غرفة المعيشة، كانت الإنارة خافتة جميلة ومناسبة لمتابعة فيلم من الزمن الجميل… الزمن الجميل؟! لماذا كلما ذكرنا ذاك الزمن نتبعه بكلمة الزمن الجميل؟ الماضي الجميل؟ نعم، بل في غاية الجمال بالنسبة لي. يلفتني كل ما هو قديم معتّق، تفوح منه رائحة الماضي… رائحة الليالي العذبة.


تلفّتُّ في غرفتي، رأيتُ كل شيء يحيطني هو من الأنتيكا الجميلة. لطالما كنت أحب أن أنتقي أجمل الأشياء وأندرها. مددتُ يدي لأرفع صوت الجرامافون قليلاً ليبعث صوت أم كلثوم الدفء في المكان… سيرة الحب، كم أعشق هذه الأغنية الجميلة.


كان كل شيء جميلًا، أشعر أنني عالقة في ذاك الزمن. كل شيء حولي يشعرني أنني أنتمي إليه لا إلى هذا الزمن. أسأل نفسي: لماذا نفتقر للحب في زمننا هذا؟ نفتقر للذوق في انتقاء الأغاني، نفتقر لكل ما هو جميل وأصيل.


ربما لأن زمننا أصبح سريعًا أكثر مما ينبغي. كل شيء يمر كأنه سباق لا ينتهي؛ الكلمات تختصر، واللحظات تختطف، والمشاعر تمر مرورًا عابرًا كأنها لم تكن. لم يعد الناس يجلسون طويلًا ليستمعوا إلى أغنية كاملة، ولا ينتظرون رسالة مكتوبة بخط اليد، ولا يسهرون على حكاية تُروى ببطء كما كان يحدث في الأمسيات القديمة.


أتساءل أحيانًا: هل كان الماضي حقًا أجمل؟ أم أننا نتذكر منه فقط ما كان مضيئًا؟ ربما كان فيه حزن أيضًا، وربما كانت فيه أيام ثقيلة، لكن الذاكرة كريمة معنا؛ تمسح ما يؤلمنا وتبقي ما يشبه الدفء .


لعل جمال الماضي ليس في الزمن نفسه، بل في البساطة التي كانت تسكنه. في العلاقات التي لم تكن معقدة، في الضحكات التي كانت تأتي بلا سبب، في الأشياء الصغيرة التي كانت تكفي لتصنع يومًا كاملًا من السعادة.


أرتشف قهوتي ببطء بينما يستمر صوت أم كلثوم في ملء المكان، وأدرك فجأة أن الماضي لا يعود… لكنه يترك فينا شيئًا يشبه العطر؛ لا نراه، لكننا نشعر به كلما مرّت لحظة تشبهه


وربما لهذا يبدو الماضي أجمل دائمًا…

ليس لأنه كان كاملًا، بل لأنه أصبح ذكرى،

والذكريات حين يمرّ عليها الزمن تتحول إلى حكايات دافئة

نحب العودة إليها…

حتى لو لم نعد نستطيع العيش فيها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology