بلعربي خالد
مونودراما
المونولوج:
"أترونني؟ أنا البطل الذي خرج من رحم الأساطير… أوديسيوس، أو هكذا أتوهم. أعيش في ملحمة الطروادة، أسمع صليل السيوف، أرى جيوشًا تتقابل، وأشم رائحة البحر المالح. لكن فجأة… أستفيق! لا جيوش هنا، ولا سفن، ولا هوميروس يكتب قصتي. أنا مجرد رجل عربي عالق في طابور طويل أمام مكتبٍ حكومي، أتوهم أنني فارس في ملحمة يونانية قديمة، بينما حقيقتي أنني أقاتل وحوشًا من نوع آخر: ورقة ناقصة، توقيع مفقود، وعد مؤجل.
أضحك من نفسي… ه
أنا مجنون؟ أم أن الجنون هو أن نعيش هذا الواقع ونظنه طبيعيًا؟ أتمسك بالوهم، لأنه أجمل من الحقيقة. أتوهم أنني بطل ملحمة، بينما أنا في الحقيقة بطل كوميديا عبثية… وكل ما أريده هو أن أصل إلى بيتي، كما وصل أوديسيوس إلى إيثاكا. لكن إيثاكا هنا ليست جزيرة، إنها لحظة صدق، أو ضحكة صافية، أو كرامة صغيرة وسط هذا العبث الكبير."
نعم أنا أوديسيوس … حقيبتي ليست مليئة بالخرائط ولا البوصلات، بل أوراق رسمية مختومة بختمٍ باهت. رحلتي تبدأ من باب الإدارة… هناك حيث يقف الموظف كأنه حارس أسطوري، يطلب مني عشر نسخ من نفس الورقة، وكأنها تعويذة سحرية لا تفتح الأبواب إلا بالتكرار. أضحك في داخلي: هل هذه هي معركة الطروادة؟ ورقة ضد ورقة، ختم ضد ختم… وأنا الفارس الوحيد بلا جيش، فقط بقلمٍ جافٍ يوشك أن ينفد حبره."
السيرينات الحديثة
"أبحرتُ في شوارع المدينة، فإذا بي أسمع أصواتًا ساحرة… ليست أغاني السيرينات، بل إعلانات تجارية تصرخ: اشترِ الآن، تسعد غدًا!… أضحك، أي سعادة هذه؟ أجد نفسي منجذبًا، أقترب من واجهة المحل، ثم أستفيق: هذه ليست أغنية، إنها فخّ… السيرينات هنا لا تغني، بل تبيع. وأنا، أوديسيوس العربي، أقاوم غواية التخفيضات كما قاومتُ أصوات البحر."
مواجهة العمالقة
"دخلتُ إلى مكتب المسؤول الكبير… لم أرَ وجهه، فقط ظلٌ ضخم يغطّي الجدار. يتحدث بصوتٍ عميق: سنعمل على تحسين الوضع قريبًا. قريبًا؟ كلمة مطاطية، كأنها وحش أسطوري يبتلع الزمن. أضحك في داخلي: هذا العملاق لا يحتاج إلى عضلات، يكفيه وعدٌ مؤجل ليشلّ الناس. وأنا، أوديسيوس العربي، أخرج من مكتبه كما دخلت، بلا سيف، بلا درع، فقط بضحكة ساخرة تقي قلبي من الانكسار."
العودة إلى الوطن
"بعد رحلة طويلة عبر الطوابير، الإعلانات، والوعود، وصلتُ أخيرًا إلى بيتي… لكنني اكتشفت أن الوطن ليس جدرانًا ولا أبوابًا، بل هو القدرة على الضحك وسط المأساة. الوطن هو أن أروي قصتي وأجد من يضحك معي، لا عليّ. الوطن هو أن أتمسك بالأمل، حتى لو كان عبثيًا، لأن العبث أحيانًا هو الحقيقة الوحيدة التي تجعلنا بشرًا."
"أنا أوديسيوس العربي… رحلتي لم تنتهِ، لكنها علمتني أن الضحك سلاح، وأن العبث حكمة، وأن الإنسان، مهما تاه في بحار البيروقراطية والوعود، يظل يبحث عن ميناء صغير اسمه الكرامة."
