عن الحزن الذي يمر بهدوء

 


  بقلم هيا برماوي


ليس كل حزنٍ صاخبًا، ولا كل وجعٍ يُعلن عن نفسه بالبكاء أو الانكسار.

هناك حزنٌ يمر بهدوء، يجلس في زاوية القلب دون أن يُحدث ضجيجًا، لكنه يترك أثره في كل شيء.


هو ذلك الحزن الذي لا يلاحظه أحد؛ حين نبتسم في الوجوه، ونؤدي أدوارنا اليومية بإتقان، بينما في الداخل شيءٌ ما يثقل الروح. حزنٌ لا يطلب مواساة، ولا يعرف الشكوى، فقط يرافقنا بصمت، كظلٍّ لا يفارقنا.


يمرّ هذا الحزن في التفاصيل الصغيرة: في فنجان قهوة فقد طعمه، في أغنيةٍ لم تعد تشبهنا، في لحظة صمتٍ أطول من المعتاد. لا نبكي، لكننا نشعر بتعبٍ لا نفهم سببه، وكأن الروح أنهكت من حمل أشياء لم تُقال.


الحزن الهادئ لا يُسقطنا أرضًا، لكنه يُبطئنا. يجعل خطواتنا أثقل، وأحلامنا أكثر حذرًا. نؤجل الفرح، لا لأننا لا نريده، بل لأننا نخشى أن لا يكتمل. نعتاد هذا الشعور حتى نظنه جزءًا منّا، وننسى أنه عابر، مهما طال.


الغريب في هذا الحزن أنه لا يطلب الكثير؛ فقط أن نُصغي لأنفسنا. أن نعترف بأننا لسنا بخير تمامًا، وأن القوة لا تعني دائمًا الصمود، بل أحيانًا تعني التوقف، والتنفس، ومنح القلب فرصة للبوح.


يمر الحزن بهدوء، نعم، لكنه لا يرحل إلا حين نسمح له بذلك. حين نُخفف عن أنفسنا، ونكفّ عن تحميلها ما لا طاقة لها به. حين نصدق أن الأيام، مهما ثقلت، لا تبقى كما هي.


وفي النهاية، يبقى الأمل حاضرًا، حتى في أكثر اللحظات صمتًا. فكل حزنٍ، مهما كان هادئًا، يحمل في داخله بذرة شفاء، تنتظر فقط أن نمنحها القليل من الضوء.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology