بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في الثامن من آذار من كل عام، يحتفي العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، غير أن هذا اليوم لا يُختزل في عبارات التهنئة أو باقات الورد، بل هو وقفة إنسانية عميقة أمام تاريخ طويل من الكفاح والصبر والعطاء. إنه يوم تتجدد فيه الذاكرة الإنسانية لتتذكر أن المرأة لم تكن يوماً مجرد حضور هامشي في مسيرة الحضارة، بل كانت دائماً روحها الخفية وقوتها الصامتة التي تحفظ توازنها وتدفعها إلى الأمام. فالمرأة هي الحاضنة الأولى للحياة، وهي المدرسة التي تتشكل فيها القيم الأولى، وهي الذاكرة التي تحفظ للإنسانية إنسانيتها حين تضطرب الأزمنة.
لقد أثبتت نساء العالم عبر القرون أنهن قادرات على تحويل الألم إلى طاقة بناء، والحرمان إلى قوة تغيير. فمن ميادين العلم إلى منصات الفكر، ومن ساحات العمل إلى بيوت التربية والرعاية، تركت المرأة بصمتها الواضحة في صناعة المستقبل. ولم يعد دورها مقتصراً على نطاقٍ ضيق أو إطارٍ تقليدي، بل أصبحت شريكاً حقيقياً في صياغة مسارات المجتمعات وتقدمها، تثبت كل يوم أن حضورها ليس ترفاً اجتماعياً، بل ضرورة حضارية لا يمكن الاستغناء عنها.
وإذا كانت المرأة في العالم كله تمثل رمزاً للنضال الإنساني من أجل العدالة والكرامة، فإن المرأة العربية تبرز نموذجاً ملهماً في الجمع بين الأصالة والتحدي. فهي التي حملت مسؤولية الحفاظ على الهوية في وجه التحولات العاصفة، ووقفت في قلب المجتمع حارسةً لقيمه، ومربيةً لأجياله، وشريكةً في صناعة مستقبله. لقد كانت المرأة العربية دائماً مثالاً للقوة الهادئة التي لا تصخب كثيراً، لكنها تصنع الفرق العميق في حياة الشعوب.
أما المرأة الفلسطينية، فهي قصة مختلفة من الحكاية الإنسانية، قصة تختلط فيها الدموع بالكرامة، ويتعانق فيها الألم مع الكبرياء. إنها ليست مجرد امرأة تعيش تفاصيل الحياة اليومية، بل هي حكاية وطنٍ يمشي على قدمين، وروح شعبٍ يأبى الانكسار. منذ عقود طويلة، لم تكن المرأة الفلسطينية شاهدة على الأحداث فحسب، بل كانت صانعة لها، وشريكاً أصيلاً في كل لحظة من لحظات الصمود الوطني.
في البيوت التي هُدمت، وفي المخيمات التي ضاقت بسكانها، وفي المدن التي أنهكها الحصار، كانت المرأة الفلسطينية تقف دائماً في الصف الأول للحياة. كانت الأم التي تخيط من القلق ثوباً من الطمأنينة لأطفالها، وكانت المعلمة التي تزرع في عقول الأجيال بذور الأمل، وكانت المناضلة التي تكتب بصلابتها فصولاً جديدة في كتاب الكرامة الإنسانية.
وفي هذا العام تحديداً، يقف العالم بخشوع أمام صورة المرأة في غزة، تلك المرأة التي أعادت تعريف معنى البقاء. هناك، حيث تختلط السماء بالدخان، وتضيق الأرض بآلامها، ظهرت المرأة الغزية كأيقونة للصبر الأسطوري. هي التي جمعت بقايا البيت المهدّم لتصنع منه مأوى للروح، وهي التي ضمدت جراح أطفالها بينما كانت جراحها أعمق من أن تُرى. وسط الركام، كانت تعجن من القليل خبز الحياة، وتزرع في القلوب يقيناً بأن الإنسان قادر على الصمود حتى في أكثر اللحظات قسوة.
المرأة في غزة ليست مجرد ضحية حرب، بل هي مدرسة في الثبات الإنساني. هي الأم التي تودّع أبناءها بدموع صامتة وكبرياء شامخ، وهي النازحة التي تحرس خيمتها كما لو كانت تحرس وطناً كاملاً. إنها تعيش معركة يومية من أجل الحياة، لا بالسلاح، بل بالصبر والإيمان والقدرة المدهشة على النهوض بعد كل سقوط.
وإلى جانب هذه الصورة المضيئة، تقف المرأة الفلسطينية الأسيرة كأحد أكثر وجوه الصمود عمقاً وإيلاماً في سجل حقوق الإنسان العالمي. خلف جدران السجون، تخوض الأسيرات معركة صامتة لكنها عظيمة، معركة الحفاظ على إنسانيتهن في مواجهة العزل والقمع والحرمان. هناك أمهات انتُزعن من أطفالهن، وطالبات قُطعت أحلامهن في منتصف الطريق، لكنهن لم يسمحْن للقيود أن تسجن إرادتهن. لقد حوّلن الزنازين إلى مساحات تحدٍ، وأثبتن أن الحرية تبدأ من الداخل، وأن روح الإنسان أكبر من كل جدران السجن.
ما يميز المرأة الفلسطينية أنها تناضل على جبهات متعددة في آنٍ واحد. فهي تواجه الاحتلال، وتقاوم قسوة الحياة تحت الحصار، وتحافظ في الوقت نفسه على تماسك المجتمع وروحه. إنها ليست نصف المجتمع كما يُقال عادة، بل هي قلبه النابض وعموده الفقري. في لحظات الانكسار الكبرى، كانت المرأة الفلسطينية دائماً البوصلة التي تعيد للناس اتجاههم نحو الأمل.
وفي يوم المرأة العالمي، يعلو صوت المرأة الفلسطينية ليذكّر العالم بحقيقة بسيطة وعميقة: أن الحرية لا تتجزأ، وأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية. فكل حديث عن حقوق المرأة يظل ناقصاً ما لم يُصغِ إلى معاناة المرأة التي تعيش تحت الاحتلال، وتدفع كل يوم ثمناً باهظاً من حياتها وكرامتها وأحلامها.
ورغم كل القيود التي حاولت أن تطوّقها، ورغم الرصاص الذي استهدفها، والبيوت التي هُدمت فوق رؤوس أبنائها، بقيت المرأة الفلسطينية أقوى من كل محاولات الإخماد. لقد أثبت التاريخ مراراً أن إرادتها كانت دائماً أكثر صلابة من الجدران، وأكثر بقاءً من كل أدوات القمع.
وفي هذا اليوم الإنساني الكبير، تتجه التحية إلى كل نساء العالم، إلى المرأة التي تناضل في صمت من أجل أسرتها، وإلى المرأة التي تقود مجتمعاتها نحو التقدم، وإلى المرأة التي تكتب بعملها وإبداعها فصولاً جديدة من الحضارة الإنسانية. تحية لكل امرأة صنعت الفرق في حياة الآخرين، لكل أمٍّ علمت أبناءها معنى الكرامة، ولكل معلمةٍ أضاءت طريق المعرفة، ولكل امرأةٍ حملت رسالة الحياة بكل شجاعة وإيمان.
تحية خاصة للمرأة العربية التي حافظت على جذوة الأمل رغم التحديات، وتحية أعمق للمرأة الفلسطينية التي تحولت إلى رمز عالمي للصمود الإنساني.
كل عام ونساء العالم بخير، وكل عام وأنتنّ أكثر إشراقاً وتألقاً.
فأنتنّ لستن مجرد نصف المجتمع، بل أنتنّ روحه التي تحييه، ونبضه الذي يمنحه القدرة على الاستمرار.
إلى كل امرأة في هذا العالم:
أنتِ لستِ مجرد حضور في الحياة…
أنتِ الحياة حين تتجسد في أبهى معانيها.
