حكاية صديق

 



بقلم رانيا مرعي 


١-

صديقي الذي أهداني بعد طول غيابٍ وردةً،  فاجأني أنها في إطار، ومكتوب تحتها :

" أمانة من فتاة سأجدها يومًا لأخبرها أنّي بحثتُ عنها كلّ ربيع... ولم أستسلم لأنّها قالت لي يوم افترقنا أنّها ستكبر من دوني…ورحلت وهي توصيني ألّا يجلسَ في مقعدها أحد!"

صديقي الدي أعادَ لي ذاكرتي،تغيّرت ملامحه ولكنّي تعرّفتُ عليه من خجل أهدابي.

" تعال نختبئ... وهذه المرة إلى الأبد!"


٢-

صديقي الذي ملأ فراغات الذاكرة، و " لو " الأيام حقق أمنيةً عمرها من عمر غربتي عنه. أعادني إلى حكايات الطفولة.

-لم تتغيري! هذه العيون كانت دليلي إليكِ،واهتديت.

تعالي نتسابق…سأدعك تصلين قبلي ليكون وصولي بشوقٍ إلى أحضانكِ.


٣-

صديقي الذي فتّتَ لوعة الأشواق، مصابٌ مثلي بالوفاء 

عاهدَ الوعدَ على اللقاء، قطعَ مسافاتِ اللهفة إلى عنواني، والتقينا!

وبعد صمتٍ يضجُّ بالعتاب، شهقَ الدمُ في عروقي وتنفّس نبضي عطر طفولتي، وقلت له : 

" هل تذكرُ كم حلمًا كبرنا ؟ " 

همس لي: "هي أضغاثُ أحلام ومرايا مزيّفة، لم نكبر، ما زالت ابتسامتك بكرًا وأحاديثنا القديمة تفتقدُ نبرةَ صوتك. 

هيا..أخبريني كم مرّةً اشتقت لي لأعرف كم طال عمري في قلبك.


٤-

صديقي الذي أمّنته على ذكرياتي، رمّمَ كل الآمال الباهتة، وترك على مساحات الأيام عناوينه.

جمعَ ضحكاتنا المبعثرة في أروقة السنين وعندما التقينا أسمَعني صوت حنيني، وبحّةَ يوم الوداع.

ومن جيب الزمن أهداني صورةً لم أكن فيها ! مكتوبٌ عليها :

"اليوم خانني الربيع، سرقكِ ورحل! لا تكبري كثيرًا يا شقيّة، سأسابقك إلى اللقاء…انتظريني"


٥-

صديقي الذي أغمد في ذاكرتي صوته، أيقظَ صورنا العتيقة، نفضَ عنها غبار الأعمار، وظفر بحكايات غابت عن بال الوقت.

لم تشبهي يومًا أحدًا.. حتى في الرحيل كنتِ الأقرب.. وعطركِ كلّما هبَّ على أشواقي أثملني.

من اقترف فينا الفراق ؟ وكيفَ كبرتِ بلا عيوني؟ 

ومن سمحَ لشعرك القصير أن يتمايل على حنيني؟

صديقي الذي حفظني، أهداني باقةً قطفها من كل انتظار وقال: " اليوم نبدأ معًا حكاية قدر!

     أتذكرين عم عمركِ ؟ "


٦-

صديقي الذي سرقنا من مهب النسيان، أعادَ إليّ صوري العتيقة ولهفتي التي أرهقها البحث عن عناق.

في عينيه، رأيتُ كم مرّة غازلته بخجل. ومن شفتيه سمعتُ صدى أشواقي القديمة.

انظري إلي -قال لي- اغرفي من عتبي سنيّ الانتظار ومحطات البحث عنك.

كم رحيل رجوته أن يفقد ذاكرةَ العودة! وكم عودة كفّرت عن ذنب اغترابي عن عطركِ!

صديقي الذي ملّ من الاحتفال وحيدًا بعيد مولدي، قبّل راحةَ يدي، ووفى ندره الأخير.

-كيف أردُّ لكِ جميلك ؟

-أنا…

-أنتِ أهديتني الحلم !


٧-

صديقي الذي وجدني في الربيع، تنشّقتُ معه رائحة القيامة، ونبتَت في عينيه ابتساماتي.

لم يهدني وردة! عانقني وهمسَ لي : " أنتِ وردتي، ندرتُ للقائك توبتي".

-توبتك؟

-أدّبني الغياب، أرهقني وجهُهُ العابثُ وملامحُهُ الغريبة، فهربتُ إلى دنياك وعفتُ ماضيَّ المراهق.. 

والآن في كنفِ  أحضانِكِ، أُتمرّغُ بدفء الأشواق وأفي بالوعد.

-لا أحبّ الوعود! هي بنت اللحظة الطائشة…

تمهّلي…راودتني الحياةُ عنك، فخذلتها بتحقيق الحلم، ووفيت!

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology