الايمان الذي ترك داخلي

  


سجى السليمان 

قبل عشر سنوات، قالت لي بهدوء يشبه اليقين:

“مستقبلك سيزهر.”

لم أفهم يومها كيف يمكن لكلمة واحدة أن تعيش كل هذا العمر داخل الإنسان.

كبرتُ، وتعثر قلبي كثيرًا، وخسرتُ أجزاءً مني في الطريق، وارتكبت أخطاءً لم أتصور يومًا أنني سأحمل ثقلها.

غششت أحيانًا الحياة، وغششت نفسي أكثر، فقط لأصل أسرع، فقط لأهرب من خوفي، فقط لأنني كنت أظن أن الجميع يسبقني.

لكن رغم ذلك، بقيت تلك الكلمات عالقة في مكان عميق داخلي.

كأن أمي كانت تزرع فيّ شيئًا سيصمد حتى بعد كل التعب.

وأتذكر أستاذ أحمد…

ذلك المعلم الذي لم يكن يرى فيّ مجرد طالبة تجلس  للتتعلم النهايات في ماده الرياضيات ، بل روحًا تحاول أن تجد طريقها.

قال لي مرة:

“أشعر أنك ستصلين إلى شيء عظيم يومًا ما.”

لم أشك في كلامه، لأن بعض الأشخاص حين يتحدثون، تشعر أن كلماتهم تأتي من مكان صادق جدًا، مكان يشبه النور.

لكن الحياة ليست مستقيمة كما تخيلنا.

نحن لا نصل إلى أنفسنا دفعة واحدة، بل نضيع قليلًا، ثم نعود، ثم نضيع من جديد.

واليوم…

أنا في غربة بعيدة عن أمي، بعيدة عن تلك الماده عن الوجوه التي كانت تصفق لي، عن الأماكن التي كانت تعرف اسمي جيدًا.

أعيش في مدينة لا تحفظ ملامحي، وأحاول كل يوم أن أبدو قوية، بينما داخلي يشتاق لطفلة كانت تؤمن أن العالم ينتظرها.

أحيانًا أسأل نفسي:

أين ذهب ذلك الدعم؟

أين تلك العيون التي كانت ترى فيّ شيئًا جميلًا؟

لكن ربما…

الدعم الحقيقي لا يختفي، بل يتحول إلى صوت صغير داخلنا، صوت يهمس رغم كل شيء:

“لم ينتهِ الطريق بعد.”

وربما الزهرة التي تحدثت عنها أمي لم يكن مقدرًا لها أن تتفتح مبكرًا.

بعض الأزهار تحتاج سنوات طويلة تحت التراب، تحتاج الوحدة، والخسارات، والحنين، حتى تصبح قادرة على التفتح بطريقة تليق بها.

أنا لا أعتقد أنني ضعت بالكامل.

ربما تعبت فقط.

وربما الإنسان لا يصبح عظيمًا لأنه لم يخطئ، بل لأنه يملك الشجاعة ليعود إلى نفسه بعد كل مرة سقط فيها.

وها أنا أحاول العودة…

ببطء، بقلب متعب، لكن بإيمان صغير ما زال حيًا:

أن الكلمات التي قيلت لي يومًا لم تكن عبثًا،

وأن المستقبل الذي وعدتني به أمي…

قد يكون متأخرًا قليلًا، لكنه ما زال في الطريق إليّ

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology