العمة محروسة

  


بقلم/ محمد عيسى -إدفو- نجع هلال

لم أعتد السهر مطلقًا، لكنني في تلك الليلة لم تغمض عينايْ ولم يرق لي جفن، وبتُّ الليل كله أعاني آلام السهر وآهات السُّهاد.

احتاط دومًا لأعصابي، فلا أُعرضها فيما لا طاقة لها به، فَعَزَفْتُ ومنذ نعومة أظْفاري عن كثير من الطقوس الاجتماعية؛ فلا حيلة لمشاعري أمام مشاهد الأسى ومظآنّ الشجن.

فأنات المرضى بمثابة خنجر تنحر في أحشائي، وبكاء طفل ولو على سبيل الدَّلال يؤرقني، ودموع البائسين لهو المصاب الذي لا أجد له عزاء ولا سلوى، وإن مجرد سماع معزوفة حزينة تُكدِّر صفو يومي وتتقاذفني فيه أمواج الشجن.

لكنني سرعان ما أفيق وأقول للنفس معزّيًّا: إنها الأقدار وعوادِي الدهر التي ليس منها مفرّ ولا عنها محيد.

كنت أرى أبي جبلا أشمّ وصخرة صلدة -وما يزل في ناظري كذلك- حتى رأيته تلك الليلة أصفى من الندى، وأرق من النسيم، وأرهف من العليل، بل إنّ رذاذ الندى يجرحه، ولطافة النسيم تخدشه، وعذوبة العليل تؤذيه.

رأيت أبي في تلك الليلة يبكي كثكلى، ينشج كطفل، يهذي وهو الحكيم، ينهار وهو الصلب، يخور وهو الصلد؛ فقد كانت المصيبة عظيمة، والرزء ثقيلا، والفقدُ لعزيز غالٍ.

حتى هذه العين الصافية خِلتُ ينبوعها دموعا، ورأيت أخاديدها قبورًا موحشة تنعق على جوانبها غربان الشوم وضبح البوم، وسمعت خريرها أنشودة رثاء تواجدت معها طيور السماء.

ولطالما شنّفت مسامعي مِن حكايات الأجداد عن هذا الجبل الرابض أقصى النجع الذي احتضن الشجر والبشر احتضان عاشق طالت غيبته، وتراقصت الخيول في ودايانه، وشدا الحُداة بأغانٍ طَرِبت لها النوق، إلا في هذه الليلة الليلاء فلم أسمع إلا صفير الريح ورجع الصَّدى، وأنغام الناي الحزينة.

وما زال في أعماق هذا الوادي عوالم خفية، وكنوز مطمورة، ودروب لمَّا تُسلك، وحكايات لم تروها الأجداد.

صرخة اخترقت سكون الليل، جئن النسوة يستعلمن الخبر، سُدَّت الطرق والحارات، اتشح الجميع بالسواد، علا البكاء والنحيب، لا ترى إلا الوجوم، ولا تسمع إلا الهمس، وغارت النجوم مع الغبار، وعانقت السماء الجبال.

بالكاد أتمالك دموعي وأعدو مرة هنا وتارة هناك لاهثًا هائمًا حتى استبدَّ بي الجوى ونال منّي الجهد وسقطت إعياء.

لا لم تكن العمة محروسة عند رحيلها ذلك القالب الطيني (لحم، دم، شرايين، أعصاب..........إلخ) لا، بل كانت الندى الطاهر الذي يداعب تباشير الصباح، الملاك البريء الذي يرفرف بجناحيه أعالي الفردوس، اليد الحانية التي تربت على كل كتف، والطعام لكل فم، والبلسم الناجع لكل مكلوم.

 كنت من القلائل الذين شهدوا لحظات الوداع الأخيرة ولم أخطئ ذلك الوجه وابتسامته المعهودة، ولكنني على يقين أن خلف هذا الثغر الباسم، نفس قريحة معذبة، وجسد أضناه المرض، وفؤاد أنهكته الجراح.

كانت لحظات مثقلة بالحزن، الجميع يتظاهرون بالتماسك، ويلوذون بالصمت، وامتلأ المكان هيبة وسكونا، هذه اللحظات وحدها كفيلة أن تُلين القلب القاسي، والعاصي يرعوي، والكافر يؤمن.

تغيّرت الحياة بعدها وتبدّلت؛ فالناي يسكب ألحانه في وجع، وجدران البيت الطيني أطَّت حنينا، والنخلة السامقة التي تتوسط الدار تمايلت وانحنت وكأنها تحمي الجميع من السقوط.

لم تعد جملة (الطيبون يرحلون سريعًا) تفي بالغرض، أو تروي لي ظمأ، كما إني عاجز أشد العجز عن صياغة البديل، فطفقت أنقِّب في ديوان العرب فلم أجد أوقع أثرًا من كلمات متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالكًا:


وكنا كندماني جذيمةَ حقبةً

من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تَفَرّقنا كأني ومالكًا

لطول اجتماعِ لم نَبت ليلة معا


وقوله: 

لقد لامني عند القبور على البكا

رفيقي لتذرافِ الدموع السوافكِ

فقال: أتبكي كل قبرٍ رأيته؟

لقبرٍ ثوى بين اللّوى فالدكادك

فقلتُ له: إن الشجا يبعثُ الشجا

فدعني، فهذا كلُّه قبر مالكِ


لم ترحل العمة محروسة البارحة، ولا اليوم، ولا هذا اليوم هو يوم ذكراها -وإن كنت اقتات بهذه الذكرى وأحيا- رحلت العمة منذ ثلاثة عقود، وبالرغم من مرور كل هذه السنين ما زالت وخزات الألم تزداد عنفًا، وغصة الحلق لم تبرأ، وجذوة الصدر لم تنطفيء، وجراحات الفؤاد لم تندمل.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology