بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
ليس البقاء لمن سَبَق، ولا لمن ازدحم حضوره في البدايات، ولا لمن ملأ المشهد ضجيجاً وادّعى القرب، إنما البقاء لمن اؤتُمن فصدق، ولمن حمل الأمانة في قلبه قبل كلماته، فكان حضوره سكينة، وغيابه غصة، وذكراه امتداداً لا ينقطع. فالحياة، وإن بدت مسرحاً مفتوحاً تتبدل فيه الوجوه، فإنها في جوهرها اختبار دقيق لصدق القلوب، لا لطول البقاء ولا لكثرة اللقاء.
نمرّ في حياة بعضنا كما تمر الفصول… منهم من يمر كنسمة ربيع تُبهج الروح ثم تمضي، ومنهم من يعبر كصيفٍ عابر يترك أثره ثم يختفي، ومنهم من يكون كخريفٍ يُسقط أوراق الوهم من أعيننا، لنكتشف الحقيقة عارية بلا تزييف. لكن الأجمل، والأبقى، والأعمق أثراً… هم أولئك الذين ظلوا معنا في كل الفصول، لم تغيّرهم تقلبات الأيام، ولم تُبدلهم ظروف الحياة، بل بقوا كما هم: صادقين، ثابتين، أوفياء.
فالصدق ليس كلمة تُقال، بل موقف يُختبر، وميزان يُرجّح عند أول امتحان. الصادق لا يحتاج إلى تبرير، لأن أفعاله تسبقه، ولا إلى ادعاء، لأن نواياه تضيء طريقه. هو الذي يتقي الله فيك، في غيابك كما في حضورك، فلا يخون ثقة، ولا يكسر خاطراً، ولا يتلوّن وفق المصلحة. يختارك كل يوم من جديد، لا لأنه مضطر، بل لأنه صادق في انتمائه إليك.
أما أولئك الذين لم يصدقوا… فقد خسروا مرتين: خسروا قلوباً كانت لهم وطناً ، وخسروا أنفسهم حين ارتدوا أقنعة لا تشبههم. يعيشون أعمارهم وهم يتنقلون بين وجوه مصطنعة، يرهقهم التمثيل، ويثقلهم الزيف، فلا يجدون راحة في صدقٍ لم يتقنوه، ولا طمأنينة في قلوبٍ لم يعرفوا كيف يحافظون عليها. فالقناع، وإن طال ارتداؤه، لا يصنع وجهاً حقيقياً، ولا يمنح صاحبه دفء الانتماء.
إن أجمل ما في العلاقات ليس بدايتها المتوهجة، بل استمراريتها الصادقة. ليس في كثرة الوعود، بل في الوفاء الصامت. ليس في الكلمات المنمّقة، بل في المواقف التي لا تحتاج إلى شرح. فكم من شخصٍ بدأ معنا الطريق ثم اختفى عند أول منعطف، وكم من آخر لم يكن في الحسبان، فإذا به يصبح الثابت الوحيد في معادلة الحياة.
ولأن الحياة قصيرة على الزيف، طويلة على الندم، فإن البقاء فيها لا يُقاس بالسنين، بل بالأثر. الأثر الذي يتركه الصادقون فينا حين يمرّون، أو حين يبقون. أولئك الذين يجعلوننا نؤمن أن الخير لا يزال حاضرًا، وأن النوايا الطيبة لم تنقرض، وأن هناك من يحبك بصدق دون حساب، ويقف معك دون مصلحة، ويحفظك دون مقابل.
فاختر من يبقى في حياتك بعناية… لا من يبهرك حضوره المؤقت، بل من يطمئن قلبك ثباته. تمسّك بمن يصدقك، ولو كان قليل الكلام، وابتعد عمّن يتقن الحديث ويخون الفعل. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى على كثرة اللقاء، بل على نقاء النية، ولا تُقاس بطول الزمن، بل بصدق المواقف.
وفي النهاية… يبقى الصادقون، ولو قلّوا، وتذبل كل الأقنعة، ولو تألقت يومًا. ويبقى أثر من أحبّك بصدق، كضوءٍ لا ينطفئ، مهما تعاقبت العتمات. لأن البقاء، في حقيقته، ليس لمن حضر أولاً… بل لمن ظلّ صادقاً حتى النهاية.
