بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
في مساحات
العلاقات الإنسانية، لا يكون الحب مجرد كلمات تُقال ولا مشاعر تُستعرض، بل هو اختبار حقيقي للنوايا حين تتعثر الخطوات، وحين تتبدل المواقف، وحين يغضب القلب. هناك، فقط، تتكشف الفروق الدقيقة بين من يُحب بصدق، ومن يتصنع الحب كدورٍ مؤقت على مسرح المشاعر.
المحب الحقيقي لا يرى في الغضب نهاية، بل يعتبره لحظة عابرة تحتاج إلى احتواء، لذلك حين يغضب، لا يختفي، بل يقترب أكثر، يعاتب، يبوح، يفتح نوافذ الحديث حتى وإن كانت الرياح عاتية. هو يدرك أن العتاب لغة المحبين، وأن الصمت الطويل قد يكون بداية الفقد، لذلك يختار المواجهة مهما كانت مُرهِقة، لأن بقاء العلاقة عنده أهم من راحته المؤقتة.
أما متصنع الحب، فهو هشّ كقشرة لامعة، يبرق في البدايات ثم يتلاشى عند أول اختبار. لا يحتمل ثقل المشاعر الحقيقية، ولا يجيد فن البقاء حين تصبح الأمور أقل مثالية. وحين يغضب، لا يملك شجاعة العتاب، بل يختار الطريق الأسهل: الانسحاب. يختفي وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الوعود التي نُسجت كانت مجرد كلمات عابرة لا جذور لها.
الفرق بينهما ليس في حجم الكلام، بل في القدرة على الاحتمال. فالمحب الحقيقي يتحمل تقلبات النفس البشرية، ويؤمن أن العلاقات لا تُبنى على الكمال، بل على الصدق والتسامح والرغبة في الاستمرار. بينما متصنع الحب يبحث عن علاقة خالية من التعقيد، أشبه بصورة مثالية لا وجود لها في الواقع، فإذا اختلت الصورة، كسر الإطار ورحل.
الحب الصادق لا يخاف من المواجهة، لأنه لا يخشى الخسارة بقدر ما يخشى الفقد دون محاولة. لذلك تجده يُعيد ترتيب كلماته، يُهدئ انفعاله، ويعود ليقول: "دعنا نتحدث". في المقابل، متصنع الحب يهرب من الحوار، لأن الحوار يكشفه، يفضح سطحية مشاعره، ويُسقط عنه قناع الاهتمام.
ولأن العلاقات لا تُقاس بالبدايات الجميلة بل بقدرتها على الصمود، فإن العتاب يصبح علامة حياة، بينما الهجر المفاجئ علامة فراغ. فالقلب الذي يُحب، يبقى، حتى وهو غاضب، أما القلب الذي يتصنع، فيرحل عند أول اهتزاز، لأنه لم يكن يومًا ثابتًا من الأساس.
في النهاية، لا تبحث عن من يُدهشك في البدايات، بل عن من يتمسك بك في اللحظات الصعبة. فالمحب الحقيقي قد يُرهقك بعتابه، لكنه لن يتركك، أما متصنع الحب، فقد يُسعدك مؤقتًا، لكنه سيتركك تتساءل: هل كان كل ذلك حقيقيًا؟
وهنا فقط، ندرك أن الحب ليس في جمال الحضور، بل في صدق البقاء.
