بقلم معاني سليمان قاصة من سوريا
كان الجوّ صافياً وأشعة الشّمس تنشر الدّفء في المكان، والخريف يبسط سحره على البلدة، والسّيدة (ليلى) قد أنهت شراء مستلزماتها، وانطلقت عائدةً إلى بيتها وهي تلقي التّحية على من تُصادفه من سكان بلدتها.
كانت السيّدات مجتمعاتٍ في متجرِ الملابس يثرثرن ويتبادلن آخر الأخبار، توقّف الحديثُ عندما دخلت إلى المتجر امرأةٌ يعرفونها جيداً ويخشونها، قصيرة القامة، ممتلئة الجسم، تبلغ من العمر حوالي الستين عاماً، لكن من يراها يظنُّ أنَّها أصغر من ذلك، لها عينان زرقاوان مشعّتان ونظرات عميقة ووجهٍ مُشرقٍ مبتسم، ترتدي قميصاً أسود وتنورة سوداء، هي السيّدة ليلى التي كان الجميع يَهابها ويَخاف لسانها الحادّ ونقدها اللَّاذع....
نظرت إلى السَّيدات باحتقارٍ وقالت: لو غابَ المرء خمسين سنة سيعود ويجدكنَّ كما أنتنّ، ألا تَسأمنَ من الثَّرثرة والتَّدخل بأمورِ الغير؟! ازدردت البائعة لينا ريقها عند رؤيتها! وحيّتها تحية الصّباح، وابتسمت في وجهها محاولةً استرضاءَها وقالت: نحن نتسلّى ونحاول أن نقطعَ الوقت فقط يا عزيزتي، أخبرينا متى ستسافرين لزيارة عمّتك المريضة، هل ستمكثينَ طويلاً؟
انشغلت ليلى بالحديث عن سفرتها القادمة، لكن شيئاً ما جعلها توقف حديثها وتفتح فمها على اتساعه باندهاش؛ رأت (سميحة) خارجة من غرفة القياس وهي ترتدي ثوباً قرمزياً، وتتمايل به بفرح، فوجئت سميحة برؤية ليلى، ولكنّها لم تكن تملك خياراً آخر غير المواجهة، لذا اقتربت منها وسألتها:
ـ ما رأيكِ بالثّوب يا سيدة ليلى؟
بعد أن أفاقت ليلى من هَول الصّدمة نطقت:
ـ ما هذا الذي ترتدينه يا سميحة؟ هل تظنّين نفسك صغيرة؟! ثم كيف استطعتِ أن تحشري جسدك البدين وشحومك داخل هذا الثّوب؟! انظري إنّه يكاد أن ينفجرَ في أيّ لحظة... العمر له حكمه يا عزيزتي، ويجب أن ترتدي ما يناسب عمرك، ماذا أبقيتِ للمراهقات؟! انظري إلى نفسك يا سميحة؛ أنتِ عجوز مترهلة وبدينة، ربما تجاملك الأخريات، لكنّي الوحيدة التي أقول لك الصّراحة، قد تجدينني قاسية أو بغيضة، لكن صدّقيني ستشكرينني لاحقاً.
خرجت ليلى تاركةً سميحة المسكينة في حالةِ صدمة، وأكملت طريقها وقد رسمت على شفتيها ابتسامة النّصر، صادفتْ الشاب اللّطيف (زاهر) يحمل بين يديه باقة من الورود الجميلة.
زاهر... إنه يحتلّ المركز الأوّل في البلاهة والرّومانسية بين كلّ شباب الأرض قاطبة، يا لهيئته المضحكة بشعره الفوضويّ الأحمر ووجهه المليء بالنّمش... قالت ليلى محدثةً نفسها، اقتربت منه فحيّاها الشاب وهرول مبتعداً عنها؛ يريد أن يكملَ طريقه، لكن ليلى لا تستطيع أن تفوّت فرصةً للنّصح؛ نظرت إلى باقة الورود الحمراء النديّة التي كان يحملها في يده وقالت له:
ـ لا أفهم إلى متى ستُهدر نقودك ونقود والدك التي تعبَ في جمعها على هدايا خطيبتك المستهترة ماري؟ ليتها تستحقّ كلّ هذا الحبّ! هل تظنّ أنّها تحبّك؟ هل تصدّق أنّ هناك ما يسمّى حبّاً؟ أعقل يا بني إنّها تحبّ أموال والدك، وسنرى إن كانت ستبقى عليك بعد أن يعود السيّد مجد أغنى تاجر في البلدة ومعه ابنه الوسيم العازب.
كان الوقت قد تجاوز منتصف النّهار بساعةٍ أو يزيد قليلاً، إنّه موعد انصراف التّلاميذ من المدرسة، وما لبث أن غصّت بهم شوارع البلدة وأزقّتها وهم يملؤون المكان بضحكاتهم وأحاديثهم، كانوا يصطدمون بـ ليلى وهم يركضون، وهي تحاول تفاديهم وتغمغم:
- يا لهؤلاء الجراء الصّغيرة المزعجة! إنّهم ينشرون الفوضى في كلّ مكان.
اقتربت الطّفلة "ليا" من ليلى وهي مسرورة:
ـ انظري لقد أعطتني الآنسة ماري نجمة؛ عندما أكبر أتمنّى أن أصبح معلّمةً مثلها.
ضحكت ليلى بصوتٍ عالٍ وقالت:
- ليا... أيّتها المسكينة؛ أنت تعجزين إلى الآن عن فكّ الأحرف! لا أدري إلى متى ستستمر ماري بالكذب عليك وتشجيعك؟! يجب أن تتقبّلي حقيقتك، أنت أغبى فتاةٍ مرّت عليّ حتى هذه اللّحظة، بعض النّاس يولدون أغبياء ويموتون أغبياء وأنت منهم؛ يجدر بك أن تساعدي أمّك في المطبخ، فهذا أفضل من تضييع وقتك بلا طائل، هذا الرّأس الفارغ لا يمكن أن يكون شيئاً يذكر يوماً ما.
لوحت ليلى للطفلة الباكية مودّعة، ومضتْ تنهب خطواتها الشّارع الواسع... وصلت إلى المكتبة، دفعت الباب الكبير ودخلت، راحت تبحث بعينيها عن السيّد أحمد، فوجدته جالساً وراء الطّاولة وبين يديه رزمة أوراق بيضاء مبسوطة، وعلى جانبها أخرى مكرمشة.
بينما هو يفرك رأسه؛ اقتربت منه ليلى وحيّته:
- يبدو أنني أقطع خلوتك.
تفاجأ أحمد بظهورها، حاول إخفاء تعابير صدمته برؤيتها ورحب بها.
أكملت السيدة:
ـ لقد أردت أن أودّعك قبل أن أسافر؛ اسمع يا بني أنصحك لله أترك عنك هذا الحلم السّخيف؛ الكتابة والتّأليف، لا تعشْ الكذبة، هل صدقت أنك كاتب، وأن أحداً سيقرأ لك؟ هل تريد أن تصبحَ مسخرة البلدة والمدن المجاورة؟ هل تظنّ أنّ الهراء الذي تكتبه يسمّى أدباً؟ أو أنّ الأمر بهذه البساطة؟
استمع لها أحمد ولم ينطق.
أكملت...
- يا بني الكتابة ليست لنا، نحن البسطاء يجب أن نتعبَ ونشقى لنجدَ كفاف يومنا، ليس لدينا وقت نضيعه
خرجت من المكتبة وهي منشرحة الصّدر تحدّث نفسها:
- يا لهذا البائس سيتألّم قليلاً لكن ما نصحته به وإن كان قاسياً، إلّا أنني ما قلته إلّا لمصلحته، أنا أصارحه ولا أستطيع الكذب عليه، أو على غيره من الواهمين!
كانت الشمس قد قاربت على المغيب وليلى في بيتها تحزم أغراضها استعداداً للسّفر، وهي تشعر بالرّضا الكامل بعد أن أدّت مهمّتها وأراحت ضميرها، همهمت:
- ربما أكون قد قسوت عليهم، لكنّهم سيشكرونني لاحقاً؛ لقد فعلت كلّ شيءٍ بشكلٍ صحيح، وفتحت أعينهم على الحقيقة وإن كانت مُرّة.
نظرتْ إلى البلدة التي تلفها الظلمة مودعةً إيّاها... الآن سأسافر وأنا مرتاحة الضّمير بعد أن أدّيت واجبي.
عادت السيّدة بعد أشهر إلى البلدة، سارت في شوارعها، وقلبها يكاد أن يتوقّف من هَول ما تراه! هل اخطأت العنوان؟
تساءلت، وأردفت...
- لمَ وجوههم يملؤها الفرح والنّشوة؟ ما هذه الفوضى؟ ما الذي حصل في هذه البلدة؟!
أليست هذه الفيلة الرّاقصة هي سميحة؟
اقتربت منها سميحة متبخترةً بثوبها القرمزيّ، مرحباً بعودتك.
- ما الذي يحصل؟
- ألم يخبروك؟ اللّيلة سيُقام حفل زواج زاهر ومحبوبته ماري والبلدة كلّها فرحة من أجلهم، خسأ من قال إنّه لا يوجد حبّ في الدّنيا.
كادت ليلى أن تنفجرَ من الغيظ؛ فرحٌ وسعادةٌ وحبّ! نظرت إلى يمينها وجحظت عيناها المخيفتان، وتجمّدت الدّماء في عروقها؛ على واجهة المكتبة الزّجاجية إعلانٌ للكتابِ الأكثر مبيعاً، وكانت صورة أحمد على غلاف الكتاب.
صرخت بأعلى صوتها:
- ما هذه الفوضى؟ كيف حدث هذا؟!
تجمّع أهل البلدة حولها وهي توشك أن تفقدَ عقلها، وتنظر إليهم وتصرخ:
- من فعل هذا؟!
أجابوها...
- لقد زارنا أخيراً بعد أن احتلّ اليأس قلوبنا؛ طرق أبوابنا ومشى بشوارعنا وتسلّل إلى أحلامنا، وملأ بالفرح والبهجة صدورنا، وأعاد النّور إلى عيوننا.
سألت وهي تكاد تجن...
- من؟ من هو؟
- اسمه الأمل
