بقلم الكاتبة الصحفي/ سهام فودة
ليست كل النساء
يُعرَفن من ملامحهن، ولا تُقاس قيمتهن بما يحيط بهن من زينة أو ألقاب. هناك نوع آخر من النساء… لا يُرى بالعين، بل يُلمَس في المسافة التي تضعها بين نفسها وبين ما لا يليق بها. امرأة لا تحتاج أن تُعلن قيمتها، لأن حضورها وحده كافٍ ليقول كل شيء.
في زمنٍ يخلط بين البريق والعمق، تظهر “المرأة عالية القيمة” كاستثناء هادئ، لا تصرخ لتُسمَع، ولا تتكلف لتُرى، لكنها حين تحضر… تُعيد تعريف المعايير من جديد. ليست قضية شكل، ولا أناقة، ولا حتى مستوى تعليمي، بل مسألة وعي داخلي صلب، وحدود واضحة لا تقبل التأويل.
هذه المرأة لا تُجيد التنازل عن نفسها، ولا تملك رفاهية التبرير لما يؤذيها. حين تقول “لا”، لا ترتجف الكلمة على شفتيها، ولا تتزين بالاعتذارات. تقولها ببساطة من يعرف أن احترامه لنفسه ليس خيارًا، بل ضرورة وجود. هي لا تهرب من العلاقات، لكنها أيضًا لا تقيم في الأماكن التي تُطفئها.
الفرق بينها وبين غيرها، أنها لا تبحث عن التقدير في عيون الآخرين… بل تبدأ به من داخلها. لذلك، لا تستجديه، ولا تنتظره، ولا تُساوم عليه. هي تمنحه لنفسها أولًا، فينعكس تلقائيًا على كل من يقترب منها. وكأنها تضع قانونًا غير مكتوب: “عاملني كما أرى نفسي… أو لا تقترب.”
وفي حياتها، لا مكان للفوضى العاطفية، ولا للأشخاص الذين يعبثون بالحدود. لا تسمح لرجل أن يتعامل معها باستخفاف، ولا لصديقة أن تتجاوز بدعوى المزاح، ولا لقريب أن يختبئ خلف صلة الدم ليُبرر سوءه. لأنها ببساطة، لا تُجمّل القبح… ولا تُؤنسن الأذى.
حياتها ليست “ملكية” بالمظاهر، لكنها كذلك بالجودة. تختار ما يُشبهها، وتُقصي ما يُقلل منها، وتُدير حياتها كمن يعرف أن القيمة ليست في الكثرة، بل في النقاء. لذلك، قد تبدو وحيدة أحيانًا، لكنها وحدة مُنتقاة، لا عزلة مفروضة.
والأهم… أنها لا تبقى في علاقة سامة بدافع الاحتياج، ولا تُقنع نفسها بأن “القليل يكفي”. هي تدرك أن الاحتياج الحقيقي هو لنفسٍ آمنة، لا لقلبٍ مُرهق. وأن السند لا يُطلب من الآخرين قبل أن يُبنى في الداخل.
هذه المرأة لا تحتاج إلى ماركات لتُثبت أناقتها، ولا إلى رجل ليُعلن اكتمالها، ولا إلى شهادات لتُؤكد جدارتها. هي تعرف… وتشعر… وتؤمن… أنها القيمة ذاتها. وأن كل ما يُضاف إلى حياتها، مهما كان جميلًا، يبقى مجرد إضافة… لا أصل.
وحين ترحل، لا تُجيد الدراما. ترحل كما ينسحب الضوء من غرفة لم تعد تستحقه. بهدوء، دون ضجيج، دون التفات. لأنها لا تغادر الأشخاص فقط… بل تغادر النسخة التي كانت تقبل بما لا يليق.
المرأة عالية القيمة ليست مثالية… لكنها صادقة مع نفسها حدّ الحسم. تحمي نقاءها كما تحمي روحها، وتُدرك أن أخطر ما قد تخسره ليس الآخرين… بل نفسها إن بقيت في مكان لا يُشبهها.
هي ليست امرأة تُبحث عنها في الوجوه… بل في المواقف.
وفي كل مرة تختار فيها نفسها… تولد من جديد.
