الثقافة الشعبيّة

 


د. عدنان عويّد:

     تُعْتَبَرُ الثقافة في هذا الاتجاه مجموعةً من المعارف والمعتقدات والفنون والسلوكيات الأخلاقيّة و القوانين و التقاليد و كل المهارات الداخليّة النشطة المتعلقة بطرق التفكير, وتشمل أيضاً العادات التي اكتسبها الإنسان ومارسها من خلال علاقته مع الطبيعة والمجتمع. أما في أعلى تجلياتها فتأتي نسيجاً من الرموز التي أنتجها الإنسان لكي يتواصل بين ذاته والآخر، و يمكن تسمية هذا التصور بالتصور الرمزيّ للثقافة.

     والثقافة الشعبيّة هي كل ما انتشر بين الجمهور وأصبح له حضوره المادي والقيمي. وقد يتجلى هذا الحضور في الفن بكل أشكاله من غناء ورسم ومسرح وقصة ورواية وفلكلور. أو يتجلى في لباس أو أثاث منزل أو موديل إنتاج معد للاستهلاك... وغير ذلك. والشعبي من جهة أخرى, هو النقيض المعبر عن ثقافة الأغنياء أو الارستقراطيّة، و هكذا نستطيع القول عن الثقافة بأنها تنقسم إلى أبعاد طبقيّة, ثقافة الأغنياء و ثقافة الفقراء بكل ما تحمله من قيم شعبيّة.

     إن المنتج الشعبيّ غالباً ما ينتج من أجل الاستهلاك السريع, لذلك توظف له مكنة إعلاميّة وإعلانيّة هائلة لتحقيق أرباح تجاريّة كبيرة لمالك وسائل الإنتاج. أما المنتج الآخر المخصص للطبقات الغنية فهو محدود في وسائل إنتاجه وله طابع مميز يحوز على صفة (ماركات) لها طابع عالمي خاص بهذه الطبقات الراقيّة. 

     لا شك أن التوزع الطبقيّ في بنية المجتمع, يخلق فوارق اجتماعيّة بين المالك والمنتج, بين الأغنياء و العامة, وهذه الفوارق بدورها ستساهم بالضرورة بإنتاج ثقافتين متباينتين هما ثقافة النبلاء أو الارستقراطيّة وثقافة العامة. (وإذا عدنا إلى مسرح شكسبير على سبيل المثال لا الحصر، سنلاحظ كيف قام هذا الأخير بتمثل ثقافة النبلاء على أنها ثقافة القيم و المثل الرفيعة من هاملت وعطيل إلى ماكبيث، بينما صَوَرَ ثقافة باقي الشعب على أنها ثقافة غوغائية، فظة وهمجيّة، إلى درجة أنه أدرج في مسرحياته حبكتين دراميتين مختلفتين : حبكة خاصة بالنبلاء، وحبكة خاصة بالعوام، كذلك تم تقسيم مبنى المسرح إلى جزء خاص بالنبلاء وجزء خاص بالعامة.).(1). وهذه الموقف الرجعي من الثقافة, راح يتجسد ويُعْمَلْ على نشره في أوربا بين الجماهير مع منتصف القرن الثامن عشر, عندما بدأت أفكار القوى التقدميّة والاشتراكيّة تطرح نفسها على الساحة لمقاومة القوى البرجوازيّة الاستغلاليّة بعد وصولها إلى السلطة واستغلال الدولة لمصالحها, وهذا ما مثلته أفكار فلسفة (الكانتيّة الجديدة).(2), وبالمثاليّة الذاتيّة, واللاأدرية, والحدسيّة, والبيولوجيّة, وقد مثل هذه الأفكار الفلسفيّة المدافعة عن الطبقة البرجوازية وقيمها المتوحشة بشكل مقيت الفيلسوف نيتشه, الذي عبرت أفكاره عن ثقافة وقيم النبلاء أو السادة التي يجب أن تسود ويقصى كل ما عداها لأنها ثقافة عبيد. أي هو عبر عن ثقافة القوى البرجوازيّة الحاكمة في اتجاهاتها السلبيّة. حيث يقول: (إن هناك عرقاً سائداً هو المدعو لأن يأمر وينهي, وهناك عرق عبيد عليه أن ينفذ ويخضع للسادة, وأن المجتمع سيبقى إلى الأبد موزعاً بين فئة أرستقراطيّة مسيطرة, وبين جماهير العبيد الذين ليس لهم أية حقوق... كما راح يطالب الطبقة البرجوازيّة بأن تقوم بالتخلي عن أفكارها الليبراليّة ومشروعها الديمقراطيّ, وأن تتخلى عن القيم الأخلاقيّة والاعتقادات الدينيّة, وكافة القيم السياسيّة والقانونيّة والثقافيّة التي تعترف بحقوق الكادحين.). (3). 

     ومع تعمق اقتصاد السوق الرأسماليّة والرأسماليّة المتوحشة, وتقدم التكنولوجيا, وانتشار وسائل الإعلام من جرائد و أفلام و إذاعة و تلفزة،  تعمقت الهوة بين الثقافتين. حيث اصطلح على كل ما ينتمي للجماهير الشعبيّة, اسم ثقافة الجماهير وإعلام الجماهير, وحتى على الأسواق أصبح هناك أسوق شعبيّة وأحياء شعبيّة, وكذلك أصبح هناك البسة شعبيّة وأطعمة شعبية, وفن شعبي. يقابلها بالضرورة ثقافة وأسواق السادة.  

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

d.owaid333d@gmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- (موقع هسبريس- المرجع نفسه).

2- “حركة فلسفيّة نشأت في ألمانيا في منتصف القرن التاسع عشر ضد الميتافيزيقا التأمليّة والماديّة الدوغمائيّة، وكان شعار فلاسفتها “العودة إلى كانط”، ومعناه إن العالم الذي نعيشه وخاصة في منتصف القرن التاسع عشر مليئ بالتناقضات والصراعات بسبب تحولات الطبقة البرجوازيّة وظهور الطبقة العاملة وأحزابها ومفكريها كقوة مناهضة للطبقة البرجوازيّة وتحولاتها, وهذا لن يتم عبر الصراع الطبقي بل عبر تعميم النزعة الأخلاقيّة وربطها بالدين والسياسة والقانون, إضافة إلى التأكيد على دور العقل والإرادة الإنسانيّة في تغيير الواقع وفق المبادئ الأخلاقيّة التي يجب ان تحقق العدالة للجميع من خلال المحبة والتسامح والايمان بالعيش المشترك بين كل مكونات المجتمع. حول الكانطية الجديدة. للاستزادة في هذا الموضوع- (الكانتيّة الجديدة - يراجع موقع ويكيبيديا – وموقع حكمة.

3- موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من الكتاب السوفيات – ترجمة توفيق ابراهيم سلوم – إصدار دار الفكر – دمشق – 1979.). ص748.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology