قراءة لقصة ( جديلة معلقة )للكاتبة ( زهراء ناجي )



بقلم رولا علي سلوم


عنونت الكاتبة قصتها ب " جديلة معلقة " رمزية العنوان " جديلة " لطالما دلّت جديلة الفتاة على الشرف والعرض، وقصة المرأة التي قصّتْ جديلتها وأرسلتها إلى الخليفة المعتصم بنداء " وامعتصماه " قصة معروفة في التاريخ العربي .

تروي الكاتبة قصتها وقد طغا عليها وصف سيرتها الذاتية أثناء وقوع العراق الشقيق تحت سيطرة داعش، شعور الخوف والرعب، وصوت احتكاك السلاسل الحديدية وقد قيّدت قدميها ويديها.. شعورٌ بالذل والمهانة والوضاعة، هذا المشهد المؤلم جعل الكاتبة تحتمي بوالدها أكثر، " لاتتركني وحدي ابق معي "، هذه العبارة حمّلتها الكاتبة مدلولين متباعدين، الأول عندما كانت الكاتبة في صغرها تحتفل بالعيد، ثم عندما كبرت وأصبحت الأرجوحة مبعث ذل وانكسار.. 

 ثم تتحول الكاتبة من هذا الشعور المؤلم إلى شعور نقيض، شعور الفرح بالعيد وهي تجلس على مقعد الأرجوحة وسط الأراجيح، وصوت عم أحمد، والأصوات العالية، والأغاني التي تصدح في الفضاء. تعرض الكاتبة هذه الأحداث وفق سيرورة زمنية متفاوتة، سلباً ثم إيجاباً، حيث بدأت الكاتبة بذكر " الجديلة" بخط منخفض، ثم ارتفع الخط البياني صعودا من خلال حديثها عن العيد ومظاهره السعيدة، ومن خلال التفاصيل الدقيقة تصف استعداد الناس ليوم العيد وتهيئة الأراجيح، وبيع المواد الغذائية في قرية بسيطة جُلّ أحلام أهلها العمل بالزراعة والعيش بأمان واكتفاء، حيث لاجوع ولافقر، يتقاسمون معاناتهم مع من لجؤوا إلى قريتهم طالبين السلام والطمأنينة. ثم تحلّق بنا الكاتبة زمنياً لتروي لنا قصتها بعد أن كبرا وأصبحت صبية شقراء جميلة، تمنّى العم أحمد أن يخطبها لابنه، لا بل أخذ يقارن بينها وبين فاطمة ذات البشرة السمراء الجذابة..  هذا المنحنى البياني المرتفع في السيرورة الزمنية للكاتبة سرعان ماينخفض عندما تجلو الكاتبة قصة فاطمة، فهي تلك الفتاة الجميلة ذات السحنة السمراء، والعينين الواسعتين الكحيلتين، والشعر الأسود المنسدل ... هذا الجمال العربي النادر ما الذي حلّ به ؟؟ فاطمة كانت جارة الكاتبة في سكنها، تقاسمتا وعائلتيهما الطعام والشراب،" الهريسة اللذيذة " الفرح والحزن، الألعاب والدراسة، والدعاء وطلب ماتريده من الإمام الحسين عليه السلام " الطمأنينة والسلام " .

 هذه الأحداث الحزينة كانت طويلة مما جعل الكاتبة لا تعرف " كم مرّ علينا من السنين، وكم عيد هلّ علينا.." 

تشير الكاتبة من خلال قصتها ومن خلال رفقة صديقتها فاطمة إلى وحدة العيش المشترك بين الطوائف في العراق، لقد تماهى الجنوب بالشمال والشرق بالغرب في ذروة المصيبة الفادحة .. ولاتنس تلك العادات الأصيلة، كالكرم والضيافة وإغاثة الملهوف، ذاك التراث اللامادي الأصيل، والذي أشارت إليه بوضوح كبير..

أمنيتها ألا تتشّح بيوتهم البسيطة بالحزن والسواد، فالطرقات غير معبدة " صعوبة الحياة "، والنهار أصبح ظلاماً حالكاً " سيادة المجهول " ، بدا المشهد كغول  أسود نشر أذرعه برايات سوداء" داعش وأعلامها السود" ، يخرس الأغاني " انطفاء الفرح" ، أصوات تكبير مختلطة بالبكاء والعويل دون آذان يرفعه الفجر" الظلم والاستبداد" ، خيوط شمس غادرت دون رجعة " موت الحرية والحياة " ، أجراس الكنائس لم تدّق " اختناق الفرح والسعادة " .

ثم تتحوّل الصورة إلى سوداوية قاتمة، عندما تُعلّق الأجساد في سلاسل الأراجيح من غير معاطف تسترها . هذا التناقض الكبير ! كيف يتحوّل فرح الأراجيح إلى حزن سلاسل حديدية ؟؟!!  كيف للفرح أن يتحول وسٍط كمّ من الحزن والألم، حتى عم أحمد امتنع عن بيع الحلوى. امتنع عن ذلك منذ بدا ذلك الجسد المسجّى وقد " تلحفته عباءة سوداء أمام الدكان " . مشهد الفتاة العارية سوى من عباءة سوداء، مشهدٌ مؤلمٌ عالقٌ في الذاكرة، "كلابٌ تنبح، وأقدامٌ تتقدّم تجرّ وتضرب بالسياط على ظهري" . 

كانت الفتاة الشقراء التي روت قصتها يزيدية معروضة للبيع بعشر دولار، وقد سبقتها  فاطمة التي عُذبت قبلها وضُربت، فأبت إلا أن تموت وابتسامة تعلو وجهها، متحدّيةً قدرها الأحمق، " ها أنذا أركبها قبلكِ، هيا هيا تناولي واطلبي مرادك "، ما أقسى هذه الحياة !! وقد حوّلت ركوب الأرجوحة فرحاً وسعادةً، إلى ركوبها مكاناً لعرض الأجساد وبيعها حزناً ومهانةً !! .

تلك المفارقة المؤلمة بعد ما ذكرته الكاتبة من سلسلة أحداث تراوحت هبوطاً فصعوداً، لتكون النهاية صعوداً تجلّى باختيار الموت قدراً مشرّفاً؛ لأنّ " ظفائرها قد خالطت الدم بدل الحناء" ، فالظفائر ظلت موجودةً بعذريتها ونقائها، لكنّها اختارت الدم ليكون حناءها.. 

قصةٌ رائعة من رحم المعاناة المؤلمة التي عاشها العراق والبلدان المجاورة له كسورية في ظلّ حربٍ شعواء لم تبقِ ولم تذر.. اعتمدت الكاتبة فيها عنصر التشويق لاسيما في الخاتمة، وهي تسرد حقيقة فتاتين ونهايتهما المأساوية بمشهدية حزينة مؤثرة شهدتها العيون قبل القلوب .

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology