التطاول على المعلم في عصر الرقمنة.

 




مقالات تربوية بقلم الأديبة والتربوية منال العبادي 

المقال الثاني 

 

عند محاكاة العنف وعدم التمييز بين الواقع الافتراضي، نجد أن هناك جذور عميقة لسلوك التطاول

وعند تحليل هذه الظاهرة  فتطاول الطالب على المعلم، تتشابك فيه نقطتان  تحتاجان إلى وقفة متأنية، ومع محاكاة العنف التي يتعلمها الطفل من الألعاب الإلكترونية والمحتوى الرقمي، وعدم التمييز بين الواقع والافتراضي الذي يجعل الطفل ينقل قواعد العالم الرقمي إلى علاقاته الحقيقية. 


هاتان النقطتان تمثلان تحولًا نوعيًا في تشكيل شخصية الطفل لم نشهد له مثيلًا في الأجيال السابقة. فمن ناحية، تشكل الألعاب فضاءً للتعلم الإجتماعي حيث لا يتعلم الطفل فقط من التوجيه المباشر، بل يتعلم بالمحاكاة والنمذجة؛ فعندما يقضي ساعات طويلة مع ألعاب تقوم على منطق "العدو يجب تدميره" و"المشكلة تحل بالقوة" و"الانتصار يكون بإسقاط الآخر"، فإن دماغه يعيد تشكيل مساراته العصبية لتعتبر هذا النمط هو الأكثر طبيعية وفعالية، إذ تشير الدراسات في علم الأعصاب إلى أن التكرار المستمر لأنماط السلوك العدواني في الألعاب يعزز المسارات العصبية المرتبطة بردود الفعل السريعة والحلول العنيفة، ويضعف المسارات المرتبطة بالتفكير التأملي والتعاطف. والألعاب التفاعلية لا تعرض العنف كمشهد فقط، بل تجعل الطفل فاعلًا فيه عبر ميكانيكيات تعزز العنف، فالمكافآت الفورية على كل عمل عنيف يقابله نقاط أو ترقية أو انتصار، وغياب العواقب الواقعية حيث لا توجد عواقب حقيقية للعنف فالشخصيات "تستعيد صحتها" أو "تظهر من جديد"، والتحول إلى بطل حيث العنف هو السبيل الوحيد لأن يصبح الطفل بطلاً في معظم هذه الألعاب. وبناءً على ذلك، يتعلم الطفل الذي يعتاد على هذا النمط ضمنيًا أن العنف وسيلة فعالة لحل المشكلات، وأن القوة تعطي الحق، وأن الآخر (الخصم) يستحق الإيذاء. ولا يعني هذا أن كل طفل يلعب ألعابًا عنيفة سيصبح عدوانيًا، لكن العلاقة قائمة على التأثير التراكمي؛ فالطفل الذي يقضي ساعات طويلة في محتوى عنيف، ويفتقر إلى رقابة وتوجيه، ويعاني من ضعف في المهارات الاجتماعية، أو يتعرض لعنف أسري أو مدرسي، يجد نفسه وقد شُكّلت لديه "استعدادات" للتعامل مع المواقف الصعبة بالعنف والمواجهة الحادة لأن هذه هي "الأداة" التي أتقنها وتدرب عليها، كما أنه يبقى دوما في حالة تأهب وهجومية، وهذه كحماية له وردة فعل غير واعية. 


ومن ناحية أخرى، يتجسد عامل عدم التمييز بين الواقع والافتراضي، 

حيث أنه يعيش الواقعين بواقع واحد لايستطيع الفصل بينهما، وأن التمييز مهارة مكتسبة وليست فطرية، إذ تنمو مع الخبرة والنضج المعرفي، والطفل في السنوات التكوينية (من ٦ إلى ١٢ سنة) لا يزال في طور بناء هذه القدرة؛ فعندما يُترك ليقضي وقتًا طويلاً في عوالم افتراضية دون حوار وتأطير، تصبح الحدود بين العالمين ضبابية. مع أن كل عالم له قواعده، ففي الألعاب، الأخطاء تُصلح بـ "إعادة التشغيل"، والصراع يُحسم بالقوة، والأدوار واضحة (خصم وصديق)، والنتائج فورية وواضحة. أما في الواقع، فالأخطاء لها عواقب دائمة، والصراع يُحسم بالحوار أحيانًا وبالتفاهم أحيانًا، والعلاقات معقدة فلا يوجد أعداء وأصدقاء بشكل مطلق، والنتائج تحتاج إلى صبر وترقب. والطفل الذي لا يميز بين العالمين يحاول تطبيق قواعد اللعبة في المدرسة والمنزل، فيُنادى إلى المعلم الذي يطلب منه الهدوء أو يكلفه بواجب إضافي وكأنه "خصم" في اللعبة يجب "هزيمته"، فيصبح التطاول اللفظي هو "السلاح" المتاح. كما أن العالم الافتراضي يفتقر إلى عناصر أساسية تنمي التعاطف؛ ففي اللعبة، الشخصيات ليست بشرًا حقيقيين وإيذاؤها لا يسبب ألمًا حقيقيًا، والتفاعلات خالية من لغة الجسد ونبرات الصوت والدموع الحقيقية، والطفل لا يرى "أثر" كلماته أو أفعاله على مشاعر الآخر. وبالتالي، فإن الطفل الذي يعتاد على هذا النمط يجد نفسه غير قادر على "قراءة" مشاعر المعلم أو تقدير أثر تطاوله عليه، ليس لأنه شريرًا، بل لأن عضلاته العاطفية لم تتدرب.

ويكمن الخطر الأكبر في التداخل الخطير بين المحاكاة وعدم التمييز، حيث تزود محاكاة العنف الطفل بـ "الأدوات" (العدوانية، ردود الفعل الحادة، العنف اللفظي أو الجسدي كحلول)، بينما يجعله عدم التمييز بين الواقع والافتراضي يرى أن استخدام هذه الأدوات في العالم الحقيقي أمر مقبول بل طبيعي. والنتيجة هي طفل يدخل إلى الصف الدراسي كما يدخل إلى حلبة قتال افتراضية، حيث يصبح المعلم بالنسبة له ليس مربيًا يستحق الاحترام، بل "عائق" أو "خصم" يجب مواجهته بالأسلوب ذاته الذي يواجه به خصومه في الألعاب.

وأما عن الحلول، فإن المطلوب هو الانتقال من المحاكاة غير الواعية إلى الاستخدام الواعي عبر عدة مسارات منها، تأطير الألعاب لا منعها، فمن غير الواقعي أو المفيد منع الألعاب الإلكترونية تمامًا في زمننا، لكن المطلوب هو تأطيرها من خلال اللعب المشترك والحوار بأن يشارك الأهل الطفل في لعبه ثم يناقشوه (ماذا لو حدث هذا في الحقيقة؟ كيف كان شعور الخصم؟ هل هناك طريقة أخرى لحل هذه المشكلة في اللعبة؟)، واختيار الألعاب بوعي إذ ليس كل الألعاب عنيفة بل هناك ألعاب تنمي التعاون وحل المشكلات والإبداع، وتحديد الوقت لمنع التراكم والتطبيع مع أنماط العنف. 

أيضا، التدريب على التمييز بوعي عبر عبارات مثل "في اللعبة هذا يصلح لكن في الواقع الأمور مختلفة"، وربط الأحداث الواقعية بما يشبهها في الألعاب لمناقشة الفروق، وتعليم الطفل أن العواقب في الواقع مختلفة فكلمة جارحة لا يمكن "إلغاؤها" بزر. 

وتنمية التعاطف والمهارات العاطفية لتعويض ما تفتقر إليه الألعاب، من خلال تعليم الطفل قراءة المشاعر عبر الوجوه ونبرات الصوت، والتدريب على الاعتذار الحقيقي، وإتاحة الفرص للطفل لرؤية أثر أفعاله على الآخرين بطريقة آمنة وبناءة. رابعًا، إعادة بناء العلاقة مع المعلم بتقديمه للطفل ليس كـ "خصم" بل كـ "مرشد"، من خلال تعريف الطفل بدور المعلم وأهميته، وتعزيز ثقافة سؤال المعلم واحترام توجيهه، ومساندة المعلم من قبل الأسرة والإدارة المدرسية.

وفي الختام، فإن محاكاة العنف وعدم التمييز بين الواقع والافتراضي فهما ليس مجرد سلوكين فرديين، بل هما نتاج بيئة رقمية متسارعة لم نواكبها تربويًا بعد. فالطفل اليوم يعيش في عالمين متوازيين، العالم الحقيقي والعالم الافتراضي، وحين تتداخل قواعد هذين العالمين دون تأطير وحوار، تظهر سلوكيات مثل التطاول على المعلم كأحد أبرز مظاهر هذا التداخل. والحل ليس في سحب الطفل من العالم الرقمي، بل في أن نكون نحن الكبار حاضرين فيه معه، لنعيد له البوصلة التي تميز بين ما يصلح في اللعبة وما يصلح في الحياة. فالألعاب يمكن أن تكون أداة تعلم رائعة إذا أُطرت بشكل صحيح، وخطيرة إذا تُرك الطفل وحيدًا معها دون توجيه، والفرق بين الحالتين هو وعينا نحن كأهل ومربين.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology