الكاتب بلعربي خالد
كانت طرقات المدينة، في العاشر من ديسمبر، تلمع تحت أثر مطرٍ انقشع لتوّه، تاركًا خلفه بريقًا باردًا يشبه لمعان السكاكين تحت ضوء مصابيح شحيحة. كانت بشائر تسير بخطى مثقلة؛ لا ببرد الشتاء وحده، بل بذلك المزيج الخفي من الوحدة ووخز الضمير.
في جيب معطفها، كانت تقبض على ورقة نقدية هي كل ما تملك. ومع ذلك، كان إحساسها بالفقر أعمق من أن يُقاس بالنقود؛ فالفقر الحقيقي، كما أدركت، هو ذلك الثقل الذي لا يغادر القلب.
عند زاوية شبه معتمة، لمحَت طفلًا منكمشًا كأنه جزء من الجدار. لم يكن مجرد عابر في نظرها، بل بدا كأنّه تجسيدٌ حيّ لانتظارٍ طويل. ترددت لحظة، ثم وضعت الورقة في يده. كانت كفّه باردة، لكن شيئًا دافئًا تسلل إلى داخلها. شعرت بخفة مفاجئة، كأن عبئًا قد انزاح عنها دون أن تدري كيف.
مرّت في ذهنها الآية:
"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها..."
في تلك اللحظة، لم تكن تنقذ الطفل بقدر ما كانت تنقذ نفسها.
تابعت سيرها بخطى أسرع، حتى توقفت أمام بابٍ عتيق لمحل كتب قديمة. دفعها البرد للدخول، وربما شيء آخر لم تسمّه. هناك، استوقفتها مخطوطة صفراء مهترئة، كُتب على غلافها بخط مغربي متآكل:
"المشرقات الباطنة لسرك المكنون".
تصفحتها بحذر، فكانت الكلمات تنساب كأنها تخرج من زمنٍ آخر؛ حديث عن التجلي، وعن روحٍ تنصهر أمام عظمة الغيب. وبين الصفحات، سقطت ورقة مطوية، بدت كأنها رسالة لم تُرسل.
فتحتها، فوجدت كلمات مكتوبة بوجع صادق:
"سأخرج من هنا، وأسير حافيًا في الهجير... حتى تتشقق قدماي، ويتنشق قلبي شوقًا، وتخفّ روحي مما أثقلها."
لم يكن الكاتب يتحدث عن سجنٍ من جدران، بل عن سجنٍ أعمق؛ سجن الماضي الذي يُحمل على عاتق القلب.
رفعت بشائر رأسها ببطء، وكأن شيئًا ما قد اتضح فجأة. أدركت أن القصص، مهما اختلفت وجوهها، تعود إلى جوهرٍ واحد. ذلك الرجل الذي اختار الهجير ليكفّر عن ألمه، وهذا الطفل الذي ينتظر دفئًا في البرد، وهي نفسها التي تبحث عن معنى لخفتها الجديدة… جميعهم يسيرون في الطريق ذاته، وإن اختلفت الخطى.
في تلك اللحظة، بدت الفكرة بسيطة وواضحة:
الجميع يحاول التخفف من عبئه.
لكن الطرق تختلف…
ثمة من يختار الاحتراق،
وثمة من يختار العبور عبر الآخرين.
أغلقت المخطوطة برفق، وخرجت إلى الشارع. لم يعد البرد كما كان. كان في داخلها دفءٌ خفيف، لا يشبه حرارة الجسد، بل سكينة تتسلل بهدوء.
نظرت إلى السماء وهمست:
"الطريق إليك لا يُسلك بالهرب… بل بالمرور عبر قلوب الآخرين."
وسارت، هذه المرة، بخفةٍ لم تعهدها من قبل.
