د. عدنان عويّد
كاتب وباحث وناقد أدبي من سورية
الثقافة العالمة, هي الثقافة نخبوية, ذات طابع أيديولوجي تتجسد في نظريات كبرى ذات توجهات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعية وفنيّة وأدبيّة, ترمي إلى تحقيق أهداف محددة بشكل مسبق, وتخدم قوى اجتماعيّة محددة, طبقيّة كانت أو أثنيّة أو دينيّة أو غيرها. والثقافة العالمة المدرك حاملها الاجتماعي لأهدافه, تسير باتجاهين كل منها يعبر عن مصالح القوى الاجتماعيّة الحاملة لها. فمثل ما هي ثقافة موجهة من قبل القوى اَلْمُسْتَغِلْةَ التي أشرنا إليها أعلاه, لنمذجة عموم الشعب كي يخضع لنمط حياة تريده هذه القوى اَلْمُسْتَغِلْةَ, وهو نمط حياة المجتمع الاستهلاكيّ وفرض قيم اقتصاد السوق الذي أشرنا إليه في موقع سابق, من خلال استغلال كل الوسائل المتاحة بيد هذه الطبقة اَلْمُسْتَغِلْةَ, كالمؤسسات السياسيّة والاعلاميّة والثقافيّة والدينيّة, والتركيز على الحريّة الفرديّة وفصل الإنسان عن كتلته الاجتماعية ودفعه للتفكير من داخله ومصالحه الخاصة وليس من خلال بنيته الاجتماعية ومصالحها. وهذا ما تستمر القيام به اليوم أيضاً قوى الرأسمال الاحتكاريّ المسيطر على العالم اقتصاديّاً وسياسيّاً وإعلاميّاً, يساندها مجموعة الأنظمة الشموليّة المستبدة في دول العالم الثالث كما بينا قبل قليل. فإننا نجد هذه الثقافة العالمة في الشق الثاني التقدمي, تستخدم من قبل قوى اجتماعيّة (سياسيّة وثقافيّة) تقف إلى جانب الشعوب اَلْمُسْتَغَلْةَ والمقهورة والمشيئة والمستلبة والمغربة. وهذا ما وجدناه مع قيام الليبرالية الكلاسيكيّة في أوربا, وتشكل فكر التنوير في القرن الثامن عشر من قبل فلاسفة عصر التنوير الذين عبروا عن طموحات الطبقة الرأسماليّة الوليدة ذاته التوجهات التقدميّة في حينها. ففي تلك المرحلة ظهرت الطبقة البرجوازيّة ومن حمل فكرها من فلاسفة عصر التنوير, كقوى تقدميّة وقفت ضد استبداد الملك والاقطاع والكنيسة, وطرحت ثقافة عالمة تقوم على تحقيق الحريّة والعدالة والمساواة, تجسدت أخيراً في الثورة الفرنسيّة وشعاراتها التي غزت العالم المضطهد في تلك الفترة ومنه عالمنا العربي مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر. بيد أن تطور الثورة الصناعيّة ووصول الطبقة الرأسماليّة إلى السلطة واستغلال السلطة لمصالحها (العسكر والتشريع), وممارسة القهر والظلم للطبقة العاملة جعل هذه الطبقة العاملة تتحرك وتجد لها مثقفيها الذين راحوا ينظرون لمصالحها ضد استبداد النظام الرأسماليّ وطبقته, وخاصة مع منتصف القرن التاسع عشر حيث راحت تتجلى بكل وضوح أنانيّة الطبقة الرأسماليّة وقهرها لشعوبها وشعوب العالم, فكانت ثورات 1848 في أوربا وفي مقدمتها كومونة باريس, وما حملته هذه الثورات العماليّة وأحزابها من ثقافة عالمة نظر لها مفكرون وفلاسفة تقدميون يأتي في مقدمتهم الهيجليون الشباب, وماركس وانجلز, الذين طالبوا الطبقة العاملة بالتوحد ومقاومة القوى المستغلة لها.(1).
هكذا نجد أن الثقافة العالمة قد لبست لبوساً أيديولوجيّا في كلا الاتجاهين. هذا اللبوس الذي رحنا نلمس نتائجه أو تجلياته ليس في السياسة فحسب, بل في الفن والأدب وكل الأنساق الثقافيّة الأخرى, عبر وسائل كثيرة, كالإعلام والفن بكل أنساقه مثل السينما والمسرح والأدب والموسيقى, إضافة إلى قضايا الفكر الفلسفيّ وعلم الاجتماع... وغير ذلك.
