أمينة أباظة: ضمير مصر الحي في الدفاع عن من لا صوت لهم

 

كتبت الشاعرة والمترجمة اللبنانية-البرازيلية تغريد بو مرعي 


في عالم يتغافل فيه كثيرون عن صرخات المخلوقات الضعيفة، ويُشرعن فيه العنف ضد الحيوان تحت عباءات العرف، الدين، أو الضرورة الاقتصادية، تبرز شخصيات استثنائية تُعيد تعريف مفهوم الرحمة. واحدة من أبرز هذه الشخصيات في العالم العربي، بل في الشرق الأوسط، هي المصرية أمينة أباظة.

ليست ناشطة فحسب، بل ضمير حيّ يقف في وجه مجتمع غالباً ما ينظر إلى الحيوانات ككائنات أدنى بلا حقوق. اختارت طريقاً محفوفاً بالمقاومة، بالإدانة المجتمعية، وبالتجاهل الرسمي أحياناً، لتكون صوتاً صادقاً ومؤثراً في معركة أخلاقية وإنسانية بدأت منذ طفولتها، ولم تهدأ يوماً.

هذا المقال يسبر رحلة أمينة أباظة من طفلة شهِدت على مذبحة أنثى كلب بريئة في أحد أزقة القاهرة، إلى أن أصبحت أول سفيرة لحقوق الحيوان في مصر، ويُناقش عملها ضمن السياق الأوسع لحماية الحيوان في المجتمعات العربية، حيث لا تزال هذه القضية في طور النشوء. 

فالحيوانات ليست مجرد كائنات تشاركنا الأرض؛ بل هي مخلوقات خلقها الله بحكمة وجمال، ولكلٍّ منها دور في دورة الحياة وتوازن الطبيعة. من الطيور التي تزقزق صباحاً فتبعث البهجة، إلى القطط التي تلاطف الإنسان، مروراً بالخيل والإبل التي حملت الإنسان على ظهورها في رحلاته الطويلة، كل كائن منها يحمل رسالة وجودية صامتة: أننا شركاء في هذا الكون، ولسنا أسياداً متسلطين عليه.

لقد أوصى الدين الإسلامي بالرفق بالحيوان، فالنبي محمد ﷺ أخبرنا عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، كما أخبر عن رجل دخل الجنة لأنه سقى كلباً عطش. هذه القصص لا تروى لمجرد العبرة، بل لتغرس في النفوس أن الرحمة لا تتجزأ، وأن قلباً يرحم الحيوان لا يمكن إلا أن يكون قريباً من الخير والإنسانية.

الحيوانات لا تملك صوتاً تشتكي به، ولا قانوناً تحتمي به، ما يجعلها أكثر عرضة للاستغلال والتعذيب. لذا، فإن الدفاع عنها ليس ترفاً أخلاقياً، بل واجب إنساني وروحي. علينا أن نعلّم أبناءنا أن الكائن الضعيف لا يُحتقر، بل يُصان ويُكرم، لأننا في موقف القوة نُختبر أمام الله وأمام ضميرنا. حمايتنا للحيوانات ليست انعكاساً لرقتنا فحسب، بل دليلٌ على وعينا الحضاري وسمو أخلاقنا.

تقول أمينة أباظة إن أصل الالتزام تجاه الحيوانات لا ينبع من ثقافة مكتسبة أو تجربة عابرة، بل من حس فطري يولد به الإنسان. طفلة صغيرة كانت، حين رأت الكلبة التي اعتادت إطعامها تُقتل بدم بارد. كان يمكن أن تنسى الحادثة كما يفعل كثيرون، لكنها اختارت أن تُحوِّل الصدمة إلى التزام دائم.

هذا الحدث التأسيسي لم يُنتج ناشطة عاطفية وحسب، بل امرأة ذات رؤية فلسفية وأخلاقية، ترى في الدفاع عن الحيوان حماية للقيم الإنسانية العميقة. فكيف لمجتمع يشرع تعذيب كلب أو ضرب حمار، أن يدعي الدفاع عن الإنسان أو احترام الكرامة البشرية؟

تنتمي أمينة أباظة لعائلة مصرية عريقة ومعروفة بثقافتها، وكان بإمكانها أن تحصر نضالها في كتابة المقالات وإلقاء المحاضرات. لكنها اختارت الميدان، اختارت أن "تُهاجم الظلم في جسده"، على حد تعبيرها، وأن تتدخل بنفسها كلما رأت مشهداً من مشاهد القسوة.

قصتها مع تأسيس أول مأوى رسمي للحيوانات الضالة في مصر (S.P.A.R.E) عام 2001 برفقة زوجها راوف مشريقي، تُظهر مثالاً نادراً في العالم العربي على الانتقال من الوعي إلى الفعل. لقد أنقذوا مبنى كان مهجوراً منذ عقود — مقر الجمعية الملكية البريطانية لحماية الحيوان — وأعادوا إليه الحياة عبر مشروع يخدم عشرات الكلاب والقطط يومياً.

اللافت أن هذا المشروع لم يُقابل بالتكريم، بل اتُّهمت أباظة بـ"تفضيل الحيوان على الإنسان"، وهي تهمة تكشف عمق الجهل الثقافي لا أكثر.

في مجتمع يكافح فيه المواطن من أجل قوت يومه، من السهل أن يُصوَّر الدفاع عن الحيوانات كترف. لكن أمينة أباظة ترفض هذا الطرح بقوة. بالنسبة لها، لا يمكن الفصل بين الدفاع عن الكائنات الأضعف — سواء أكانوا بشرًا أم حيوانات — وبين فكرة العدالة الأخلاقية.


تقول:

"دافعت عن الحيوانات كما دافعت عن الأقباط، وشاركت في ثورتي مصر دفاعاً عن حقوق الإنسان".

هي ترى في الظلم وحدة لا تتجزأ، وفي القسوة سلسلة تبدأ من الأضعف فتصعد إلى الأقوى. من لا يرحم حيواناً لن يرحم يتيماً، ومن يدهسه بلا ندم قد يصفق لحاكم ديكتاتور. هذه الرؤية تربط بشكل عضوي بين العدالة الاجتماعية والعدالة الأخلاقية الشاملة، وهي بذلك تتجاوز ما يُسمى بـ"نشاط الحيوان" لتؤسس لوعي حقوقي شامل.

كشفت أمينة أباظة عن تواطؤات خطيرة تقوم بها بعض الجمعيات التي تتخذ من "نشاط الحيوان" واجهة للتربح والاحتيال. تروي حادثة مؤلمة عن كلب كانت قد أرسلته للقتل الرحيم لتخفيف معاناته، لكنه بيع لاحقاً إلى جهة أخرى من أجل جمع التبرعات بصوره.

أخطر من ذلك، كما تقول، أن جمعية شهيرة كانت تبيع دماء الكلاب للمختبرات الأجنبية، وهو أمر موثق، ويجعل "الدفاع عن الحيوان" في نظرها ساحة أخرى يجب تطهيرها من الفساد.

هذا الموقف الصارم من "الناشطين المزيفين" يؤكد أنها لا تبحث عن الشهرة أو التصفيق، بل عن صدق الفعل ونقاء الدافع.

ليست أباظة من النوع الذي يكتفي بالشجب أو الخطابات. مساهماتها الفعلية واضحة ومؤثرة. أهم إنجازاتها على الإطلاق هو تضمين فقرة في الدستور المصري عام 2013 — المادة 45 — تنص صراحة على "التزام الدولة بحماية البيئة والحيوان".

هذه المادة، كما تؤكد، وُلدت من مؤتمر لم يكن مخصصاً أصلاً لهذا الغرض، لكنها انتهزت اللحظة التاريخية لتُقنع اللجنة الدستورية بأهمية المسألة. هذا الإنجاز هو، في حد ذاته، نقلة نوعية في الفكر الحقوقي العربي، الذي لطالما استثنى الحيوان من "العقد الأخلاقي" للمجتمع.

رؤية أمينة أباظة لتغيير حقيقي لا تقتصر على العمل الفردي أو المؤسسي، بل تشمل عدة عناصر مترابطة:

نائب برلماني يُمثل الحيوان.

إعلام يُسلّط الضوء على القضايا البيئية والحيوانية.

حزب سياسي بمرجعية أخلاقية وإنسانية.

منهج دراسي يُربي الأطفال على احترام الحياة.

قوانين تُطبَّق، لا تُعلَّق في الرفوف.


وتُشيد أباظة بالقانون الجديد الصادر عام 2023 في مصر، والذي يُجرّم تعذيب الحيوان ويُحدد عقوبات واضحة بالسجن والغرامة. لكنها تؤكد أن العبرة ليست بالنصوص بل بالتطبيق.

واحدة من أقوى لحظات حوارها مع الإعلامية نور فهمي، حين تصف أمينة شعورها وهي أمام حيوان يتألم، بلا كاميرات، بلا شهود، فقط هي والمخلوق المصاب.


تقول:

"لو لم أكن هنا، ماذا كان سيحلّ به؟ وماذا عن آلاف الحيوانات التي لا يجدها أحد؟"

هذا التأمل البسيط يحمل جوهر القضية: الرحمة الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور، ولا تنتظر امتناناً.

رغم مقاومة المجتمع، وهجوم التجار، وسخرية الأقارب أحياناً، تُواصل أمينة أباظة دفاعها عن الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. هي لا تمثل فقط وجهًا إنسانيًا للحركة البيئية والحيوانية، بل تعكس صورة مصر أخرى: مصر الشجاعة، الحرة، التي تقاوم الجهل والبلادة، وتؤمن بأن الرحمة ليست ضعفاً، بل قمة المدنية.

رسالة أمينة أباظة إلى الأجيال القادمة تختصرها بقول الشاعر الفرنسي لامارتين:

"ليس لدينا قلب للإنسان وآخر للحيوان. لدينا قلب… أو لا شيء على الإطلاق."

ما تدافع عنه أمينة ليس مجرد مأوى لكلب، أو إنقاذ لقطة من الشارع. ما تدافع عنه هو مبدأ عظيم: أن العدالة الحقيقية لا تميز بين أشكال الحياة، وأن الرحمة معيار أساسي لأي حضارة.

وحين تسكت الأصوات ويعم الضجيج، يبقى صوتها الصافي يقول لنا:


"لا تقبلوا العالم كما هو... غيروه من أجل الأضعف."


وهكذا تُخلّد أمينة أباظة في ذاكرة العرب كأول من صاغ ميثاق الرحمة، لا بالحبر، بل بالفعل والموقف والمثابرة.




إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology