قراءة في إنشودة وطني للشاعرة فريزة محمد سلمان

   


 بقلم الناقد العراقي ماجد القيسي

وطني 


وطني في قلبي أحمله

روضٌ كالجنة أرسمه

أتعلم فيه  لكي أفهم

والجهل عدوًّا أهزمه

ألف باء تروي عقلي

وستروي وطناً أخدمه

سأصون ترابك ياوطني

قسمًا بالدم سأقسمه.




تستوقفنا نشيدة "وطني" للمبدعة فريزة سلمان في كتاب "لغتي العربية" لطلبة الصف الأول الابتدائي في دولة الكويت، كصياغة أدبية وتربوية تحاول ملامسة وجدان الطفل في مرحلة تشكل وعيه الأولى، وهي قراءة لا تكتمل إلا بتفكيك الهيكل الموسيقي والبصري للنص بعيداً عن الاحتفاء العاطفي المحض. فمن الناحية الفنية، نجد أن الشاعرة اعتمدت "الهاء المضمومة" كقافية محورية في كلمات مثل "أحملهُ، أرسمهُ، أهزمُه"، وهو اختيار يمنح الأبيات نغمة دائرية توحي بالاحتواء والسكينة، وكأن الطفل حين ينطق حرف الهاء بزفيره الفطري يغلق شفتيه على معنى الوطن ويخبئه في صدره، وهذا التناغم الإيقاعي هو المحرك الذي يجعل النص سهل الحفظ والترديد، رغم أن مفردة كـ "روض" قد تبدو بعيدة عن المعجم اليومي لطفل العصر الرقمي، إلا أن اقترانها بفعل "الرسم" و"الجنة" يقربها لخياله البصري المعتاد على تمازج الألوان.

​وينقسم النص ذهنياً إلى محورين متوازنين؛ يبدأ بالعاطفة في البيت الأول حيث الوطن فكرة إبداعية يشكلها الطفل بريشته، ثم ينتقل سريعاً إلى المسؤولية في قوله "أتعلم فيه لكي أفهم"، وهنا تخرج الشاعرة من فخ الشعاراتية المباشرة لتربط الوطنية بمقعد الدراسة وبناء الذات، فجعلت "الجهل" عدواً حقيقياً يُهزم بالعلم، وهي دعوة مبكرة لبناء إنسان قوي بوعيه قبل انتمائه الصوري. ولا تنفصل هذه المعاني عن سيميائية الصورة المرافقة، حيث يقف الطلبة بزي الكشافة تحت علم الكويت المرفرف، وهو اختيار يرمز في العرف التربوي للانضباط والخدمة العامة، مما يمنح الكلمات أبعاداً واقعية تجعل الوطن الذي "نحمله في القلب" يتطلب وقفة صمود واعتزاز في ساحة المدرسة.

​إن هذا "السهل الممتنع" في نص فريزة سلمان يتجلى في استخدام رموز بسيطة مثل "ألف.. باء" لترمز لبداية طريق الوعي، وكأنها تقول للطفل إن وطنك يبدأ من قلمك ومدادك، وعلى الرغم من ميل لغة القصيدة إلى الكلاسيكية، إلا أنها في سياق المنهج الوطني تهدف لخلق لغة مشتركة عابرة للأجيال، تزرع بذرة الانتماء في ظل ضجيج العصر وتحدياته. وفي النهاية، تظل هذه القراءة محاولة لرد الاعتبار للنص المدرسي بوصفه وثيقة إنسانية تشكل ملامح الجيل القادم، وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة هذه "الألف والباء" على ري عقول صغارنا في مواجهة تيارات التكنولوجيا المتسارعة، فهل نكتفي بتحفيظهم الحروف أم نعلّمهم كيف يسقون بها حدائق أوطانهم؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology