التعليم والرقمنة بقلم الأديبة والتربوية منال العبادي

 


المقال الثالث 


شخصية الأطفال بين التربية الحديثة والألعاب الإلكترونية


،حين تتحول الاستقلالية إلى حدة وهجوم في عصر تتسارع فيه وتيرة التحولات التربوية والتقنية، يقف الأهل والمربون أمام مشهد معقد لتشكيل شخصية الطفل، فالتربية الحديثة التي تتبنى مبدأ الحرية والتعبير عن الذات، والتقنيات التفاعلية التي تفتح أمام الطفل آفاقًا غير مسبوقة للتواصل وبناء عالمه الخاص، يشكلان معًا معادلة صعبة، كثيرًا ما تُنتج شخصية تبدو أكثر استقلالية، ولكنها في المقابل تميل إلى الحدة والهجومية. فمن ناحية، تختلف التربية المعاصرة جذريًا عن النمط التقليدي الذي كان يقوم على الطاعة العمياء والتوجيه الأحادي، إذ يُشجَّع الطفل اليوم على التعبير عن رأيه واتخاذ قراراته والتفكير النقدي، وهذا النهج وإن كان إيجابيًا في جوهره يحمل في طياته تحديًا كبيرًا يتمثل في كيفية منح الطفل الحرية دون أن نفقده القدرة على احترام الحدود؛ فالطفل الذي يُربى على أن صوته مسموع دائمًا وأن رغباته مقدمة قد يجد صعوبة في تقبل مفهوم "اللا" أو التأجيل، فتتحول الاستقلالية الممنوحة له إلى سلاح حاد حين يفتقر إلى التوجيه المتوازن الذي يعلّمه أن الحرية الحقيقية تقترن بالمسؤولية. ومن ناحية أخرى، تأتي الألعاب الإلكترونية التفاعلية لتقدم للطفل مساحة موازية يتقمص فيها أدوارًا متعددة ويبني عوالمه الخاصة ويتواصل مع أقرانه من مختلف الثقافات، مانحة إياه إحساسًا بالسيطرة والقوة حيث يتخذ القرارات الحاسمة ويدير المعارك ويحقق الانتصارات؛ لكن هذه البيئة الافتراضية تختلف جوهريًا عن الواقع، فالطفل في عالم اللعبة يعتاد على ردود الفعل السريعة والحلول العنيفة أحيانًا للمشكلات والمكافآت الفورية، وحين ينتقل من هذه البيئة إلى العالم الحقيقي حيث العلاقات تحتاج إلى صبر وتفاهم ومرونة، يصطدم بواقع لا يستجيب لآلياته التي تعلمها. كما أن الألعاب التفاعلية فتحت للطفل نافذة على العالم فأصبح يتواصل مع آخرين من خلفيات متنوعة ويكوّن صداقات افتراضية، وهذا التواصل المبكر يمنحه جرأة اجتماعية قد تفوق عمره، لكنه غالبًا ما يكون خاليًا من التدريب على المهارات العاطفية العميقة، فالعلاقات في الفضاء الرقمي تفتقر إلى عناصر أساسية: لغة الجسد، نبرة الصوت الحقيقية، التعاطف المباشر؛ لذلك فإن الطفل الذي يعتاد على هذا النمط من التواصل يجد نفسه غير مجهز للتعامل مع تعقيدات العلاقات الواقعية، فيلجأ إلى الحدة والهجوم كآليات دفاع سريعة تحاكي ما تعلمه في ألعابه. والمفارقة أن سمات الاستقلالية التي نرغبها لأطفالنا قد تتحول إلى حدة وهجومية حين تفتقر إلى التأطير، فالطفل المستقل إيجابيًا هو من يعرف حقوقه وواجباته معًا، أما الطفل الحاد فهو من يستخدم استقلاليته كغطاء لعدم تقبل النقد أو الاختلاف؛ والملاحظ أن العديد من الأطفال اليوم يمتلكون مفردات ناضجة في التعبير عن الذات، لكنهم في المقابل يفتقرون إلى أدوات بسيطة مثل: انتظار الدور، الاعتذار، تقبل الهزيمة، أو فهم مشاعر الآخر، وهذه المهارات لا تتشكل تلقائيًا عبر الألعاب أو التربية الحرة وحدها، بل تحتاج إلى تعمّد تربوي. والحل ليس في العودة إلى النمط التربوي التقليدي القائم على الكبت، ولا في منع الألعاب الإلكترونية التي أصبحت جزءًا من ثقافة العصر، بل في إعادة تصميم المشهد التربوي ليكون أكثر توازنًا من خلال عدة مسارات: أولاً، التوجيه بدل التحكم، فالطفل يحتاج إلى حدود واضحة لكن مرنة يشعر معها بالأمان لا القمع، والاستقلالية الحقيقية تُبنى حين يتعلم الطفل أن الخيارات لها تبعيات وأن الحرية تتسع بقدر ما يتحمل من مسؤولية. ثانيًا، تحويل الألعاب إلى فرصة تعلم، فبدلاً من ترك الطفل وحيدًا مع ألعابه، يمكن للأهل الدخول في حوار حول ما يحدث في اللعبة: كيف تعاملت مع الخصم؟ ماذا لو حدث هذا في الواقع؟ كيف نشعر حين نُهزم؟ وهذه المحاورات تحول التجربة الرقمية إلى مادة للتفكير الأخلاقي والعاطفي. ثالثًا، تعليم المهارات الاجتماعية بوعي، فالمدرسة والبيت بحاجة إلى برامج واضحة لتعليم الأطفال مهارات مثل: التعبير عن الغضب بطرق آمنة، فن الاختلاف، قراءة المشاعر، والتفاوض، لأن هذه المهارات لم تعد تكتسب بالملاحظة وحدها في زمن هيمنة الشاشات. رابعًا، قدوة متزنة، فالطفل يتعلم من طريقة تعامل الكبار معه، والأهل الذين يستخدمون الصراخ أو العنف اللفظي لحل الخلافات يرسخون أن الحدة هي الأسلوب الأمثل للتعامل مع المواقف الصعبة مهما كانت فلسفتهم التربوية حداثية. وفي الختام، فإن شخصية الطفل اليوم تتشكل في مفترق طرق معقد بين قيم التربية الحديثة التي تؤكد حقه في الاستقلالية، وعالم الألعاب الإلكترونية الذي يمنحه مساحة مغرية للسلطة والسيطرة، وبين واقع اجتماعي متسارع يتركه أحيانًا وحيدًا في مواجهة هذه المؤثرات؛ فالاستقلالية التي نريدها لأطفالنا ليست تلك التي تجعلهم منغلقين على عالمهم الخاص، ولا هي التي تتحول إلى حدة وهجومية تجاه الآخر، بل الاستقلالية الناضجة هي أن يكون الطفل قادرًا على بناء عالمه الخاص مع بقائه منفتحًا على العالم الحقيقي، وأن يعبر عن ذاته بقوة دون أن يمارس قسوة على من حوله. والمهمة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب منا نحن الكبار أن نعيد النظر في مفاهيمنا: فالحرية بلا حدود فوضى، والألعاب بلا تأطير تدريب على العنف، والتواصل بلا تعاطف مجرد ضجيج؛ وربما حان الوقت لنمنح أطفالنا استقلالية متزنة، تصقلها حدود واضحة، وتؤطرها علاقات دافئة، وتوجهها قدوة حية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology