الكاتبة هيا برماوي
أمسكتُ كوب القهوة الساخن، وتوجّهتُ إلى صندوق بريدي، فوجدتُ رسالة.
قلّبتُها بين يديّ؛ لم أجد اسم المرسل، ولا حتى طابعًا.
دخلتُ إلى منزلي وأنا في حيرةٍ من أمري. جلستُ بجانب المدفأة، الرسالة في يدي، وفي الأخرى كوب قهوتي.
بقيتُ ساكنًا… شيءٌ ما كان يمنعني من فتحها.
لا أدري كم مرّ من الوقت، لكنني أخيرًا قررت.
بدأتُ بسحب الورقة من المظروف، ويديّ ترتعشان، وأنفاسي تتضارب.
أمعنتُ النظر… تشوّش بصري، بدت الحروف وكأنها تتمايل أمامي.
تنهدتُ، وبدأت أقرأ:
حبيبي… يا من سكن قلبي والفؤاد،
كم مرّ على فراقنا؟ ألم تشتق إليّ؟
نازعتني روحي إليك، أراك في كل الوجوه، وفي كل الأماكن.
شعرتُ وكأن سقف المنزل سينهار فوق رأسي من شدة الدوار.
أعرف هذا الخط جيدًا… خط حبيبتي التي لم أنسَها يومًا. لا يمكن أن أُخطئه.
أكملتُ، بين خوفٍ وحيرة:
لم أبتعد عنك أبدًا…
في كل ليلة، أتسلل خلسةً إلى بيتك، أراك من النافذة تحتسي قهوتك، وتُطالع صورنا القديمة.
أبكيك كل ليلة…
لا أدري كيف سأعود إليك، كيف سأعود إلى أحضانك من جديد.
لماذا هذا البعد؟ لماذا يقسو القدر علينا فيحرمنا أغلى ما نملك؟
لا تشيخ ذكراك أبدًا…
أحببتك، وأحبك ما حييت.
لا تقطع عني رسائلك… ولا تقطع زيارتك لي.
أراك كل مرة تقترب من قبري، أرى دموعك، وأسمع نحيبك…
وأتمنى لو كان بإمكاني أن أمسح دموعك بيدي، أن أحتضنك، وأقول لك إنني هنا… بقربك دائمًا.
لكنني لا أستطيع… أعجز عن الاقتراب منك.
سامحني يا أعظم من سكن قلبي…
سامحني على ذلك الرحيل المفاجئ.
أراك الآن تقرأ رسالتي بحيرة، وبجانبك فنجان قهوتك البارد…
أذكر جيدًا أنك تحب قهوتك دافئة، كدفء قلبك، لكنك الآن لم تحتسِها… ولا أدري لماذا.
سأرحل الآن…
لكن لا تتأخر عليّ في زيارتك القادمة، كي لا تذبل ورود قبري التي زرعتها لي.
أحبك جدًا…
محبوبتك، ماريا.
أغلقتُ الرسالة، وقلبي يرتجف.
لم أستطع النظر إلى النافذة…
كيف؟ كيف تصلني رسالة من حبيبتي بعد عامٍ كامل على وفاتها؟
لا يمكن أن تكون مزحة…
لم أخطئ يومًا في تمييز خطها.
حاولتُ مقاومة رغبتي في النظر…
لكنها كانت أقوى مني.
وما إن رفعتُ عيني…
حتى سرت قشعريرة في جسدي.
كانت تقف هناك…
أمام النافذة.
تبتسم بهدوء…
وتلوّح لي بيدها.
