الكاتبة. رنا يوسف عجيب سوريا
حين انطلقت الثورة الصناعية لم يكن العالم يدرك أن الآلة التي دخلت المصانع ستتجاوز وظيفتها التقنية لتعيد تشكيل الإنسان نفسه، وأن التحولات الاقتصادية الكبرى ستنعكس على أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية وفي مقدمتها صورة المرأة ومكانتها ودورها فقد كان هذا التحول بداية زمن جديد خرجت فيه المرأة من الإطار التقليدي المغلق إلى فضاء أكثر اتساعاً لكنه في الوقت ذاته أكثر تعقيداً وضغطاً
قبل العصر الصناعي كانت المرأة جزءاً أساسياً من البناء الاجتماعي التقليدي حاضرة في إدارة البيت ومشاركة في الإنتاج المنزلي والزراعي ضمن إيقاع يومي أكثر قرباً من الحياة الأسرية ، كان البيت آنذاك مركزاً للحياة والعمل معاً و المرأة تمارس دورها داخل هذا النسيج دون فصل واضح بين مسؤولياتها الخاصة ومشاركتها الاقتصادية غير المعلنة ،
لكن مع انتقال الإنتاج إلى المصانع تغيّر المشهد كله خرج العمل من البيت وخرجت المرأة معه إلى فضاء جديد، حيث أصبحت جزءاً من القوة الصناعية تعمل في النسيج والخياطة والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الحديث هذا التحول منحها حضوراً اقتصادياً واضحاً لكنه وضعها أيضاً أمام شروط قاسية من الجهد وساعات العمل الطويلة والتفاوت في الأجور.
وقد رأى ( كارل ماركس) أن هذا التحول أعاد تشكيل الأسرة نفسها لأن العمل لم يعد يتم داخل البيت،
بينما اعتبر الفيلسوف الألماني الخبير بالاقتصاد وعلم الاجتماع (فريدريك إنجلز )أن استقلال المرأة الاقتصادي خطوة مهمة في إعادة تعريف موقعها الاجتماعي.
غير أن التغيير لم يكن اقتصادياً فقط، بل مسّ البنية النفسية والثقافية للمرأة أيضاً فمع اتساع دورها في المجال العام بدأت تواجه نوعاً جديداً من الضغوط إذ لم تتراجع مسؤولياتها التقليدية بقدر ما أضيفت إليها مسؤوليات جديدة وهكذا وجدت نفسها بين عالمين: عالم العمل ومتطلباته وعالم الأسرة وما ينتظره منها يومياً
هذا الواقع أفرز ما يعرف اليوم بالعبء المزدوج فالمرأة لم تعد مطالبة فقط بالإنتاج بل أيضاً بالحفاظ على التوازن العاطفي والأسري وهو ما جعل كثيرا من طاقتها تُستهلك في إدارة تفاصيل لا تنتهي.
ومن هنا ظهرت ملامح أخرى أكثر هدوءاً وجدية لكنها عميقة الأثر إذ أن كثافة الأعباء اليومية دفعت أغلب السيدات إلى تأجيل العناية بأنفسهن فالاهتمام بالشكل وبالتفاصيل الصغيرة التي كانت جزءاً من حضور المرأة الاجتماعي لم يعد دائماً متاحاً كما كان في الأزمنة الأبطأ، ليس لأن المرأة فقدت حسّها الجمالي بل لأن الزمن الحديث أصبح أكثر ضغطاً وأقل رحمة و هي فيه أحوج لكل دقيقة من وقتها
لقد كانت المرأة في إيقاعات الحياة التقليدية تجد مساحة للدلال الاجتماعي وللعناية الهادئة بجمالها وحضورها أما في زمن السرعة فقد دخل الجمال نفسه في منافسة مع الإرهاق وأصبح كثير من النساء يشعرن أنهن يؤدين أدواراً متلاحقة لا تترك لهن وقتاً كافياً للعودة إلى الذات
وهذا لا يعني ضعفاً في الدور الأنثوي بقدر ما هو تحوّل في ترتيب الأولويات فالمرأة التي تحمل مسؤوليات متعددة قد تبدو أقل انشغالاً بمظهرها الخارجي لكنها في العمق تعيش استنزافاً يجعل العناية بالذات مؤجلة أمام ضرورات أكثر إلحاحاً
وقد عبّرت الفرنسية (سيمون دو بوفوار) في كتابها الصادر عام 1949 بعنوان الجنس الآخر عن كيفية بناء الأدوار الاجتماعية للمرأة ورأت أن المجتمع يمنح المرأة أدواراً جديدة لكنه لا يخفف بالقدر نفسه من القيود أو التوقعات المحيطة بها، مما يؤدي لزيادة الضغوط والأعباء
ولعل أهم عبارة كتبتها سيمون دو بوفوار في كتابها (الجنس الآخر ) والتي أصبحت حكمة نسائية متداولة في أمريكا «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة.» معنى ذلك أن المجتمع هو الذي يصنع شخصية المرأة وصفاتها الأنثوية لا الطبيعة أو البيولوجيا
ولم يغفل الأدب عن هذه التحولات فقد أصبحت المرأة في النصوص الحديثة شخصية تحمل صراعاً داخلياً بين الرغبة في الحضور، والخوف من التلاشي تحت ضغط الأدوار و لم تعد فقط صورة للعاطفة أو الجمال، بل صارت رمزاً للإنسان الذي يحاول أن يحافظ على ذاته وسط عالم سريع ومتطلب
كما في رواية (كارمر ضد كارمر )
التي حولت الى فلم سينمائي لاحقاً Kramer vs. Kramer (للكاتب أفري كورمان)، تجسد جوانا كرامر صورة صادقة لضغوط المرأة وتعدد أدوارها. لم تكن أنانية حين غادرت منزلها، بل كانت منهكة من محاولة أن تكون أماً مثالية وزوجة متفانية وامرأة ناجحة في آنٍ واحد.
الرواية تستكشف الأدوار الجندرية، حقوق الآباء، التوازن بين العمل والحياة، والآثار النفسية للطلاق
جوانا تمثل تلك المرأة التي تمزقها الحياة بين الخارج الذي يطلب منها الإنجاز، والداخل الذي يطلب منها الاحتواء. وحين اختارت نفسها دفعت ثمنًا قاسيًا من نظرة المجتمع، لكنها في الحقيقة كانت تبحث عن توازن إنساني بسيط: أن تكون حاضرة… دون أن تفقد ذاتها.
إن التحول الذي بدأ مع الثورة الصناعية فتح أبواباً واسعة أمام المرأة لكنه في الوقت نفسه حمّلها مسؤوليات أثقل حتى بدا أحياناً أن اتساع الدور جاء على حساب السكينة الداخلية ومع ذلك فإن التحدي الحقيقي لم يكن في الخروج إلى المجال العام بل في الحفاظ على التوازن أن تبقى المرأة قادرة على الإنجاز دون أن تفقد دورها الوظيفي الفطري كأم وزوجة و إبنة و أنثى تستحق الدلال والرفاه الاجتماعي وأن تحافظ على حضورها الإنساني والجمالي رغم ضجيج العصر وتعدد الأدوار .
