بقلم: أحمد الجبور
عمان، التي تنبض حكاياتها في صالاتٍ طواها النسيان، احتضنت في قاعة مؤسسة عبد الحميد شومان عرض الفيلم الوثائقي "على حافة النسيان" للمخرج عبد الهادي الركب. الفيلم حاول أن يقدّم سردية عن تاريخ دور السينما في الأردن، لكنه بدا أقرب إلى ربورتاج مقتضب منه إلى عمل سينمائي متكامل.
شومان، تلك المنارة الثقافية التي تصرّ على مقاومة انطفاء الذاكرة، جمعتنا في أمسية وثائقية حملت عنوانًا يوحي بالغياب، بينما كنا ننتظر حضورًا يليق بتاريخ الشاشة الفضية في الأردن. جلستُ إلى جانب المخرج القدير كمال اللحام، الذي أصرّ على الحضور بدافع الشغف لرؤية الفن حين يُستدعى في سياق توثيقي.
بدأ العرض بخمس وخمسين دقيقة من الصور والأصوات، لكن السرد ظلّ محصورًا في عمان والزرقاء، مع إشارة عابرة إلى إربد. بدا واضحًا أن المخرج لم يطرح أسئلة تكفي لتوثيق بقية دور السينما، واكتفى بتمديد زمن الفيلم من ربع ساعة إلى ساعة تقريبًا، دون أن يقدّم إضافة جوهرية.
أخطر ما يواجه التوثيق السينمائي أن يتحول إلى استعراض بصري عابر، يفتقر إلى الفهم العميق لخصوصية المكان. لقد تبنّت الجزيرة الوثائقية هذا العمل وصرفت عليه، وكان الأجدر أن يخرج بوثيقة مرجعية لها وللعالم، لا مجرد صور أرشيفية متكررة فاقدة للجودة التقنية وبعيدة عن الواقعية. فالسرديات الوطنية ليست "رشزات" مكررة، ولا صورًا مُولدة أو بدائل رقمية تُستخدم لسد الفراغ، في حين أن البدائل الفنية من رسامي اللوحات والمبدعين التشكيليين موجودون وقادرون على خدمة المبتغى. السرديات الوطنية هي روح تسكن التفاصيل وتحتاج إلى عين ابن التجربة، لا زائر عابر يغادر قبل أن يجفّ حبر السرد.
أكثر ما أثار الاستهجان لدي هو أن الفيلم تضمّن ذكر مصطلح "بورنو" على لسان أحد المشاركين، ثم أعاد المخرج نفسه استخدامه في جلسة النقاش ليعلّل به سبب انحسار السينما الأردنية. إن تكرار هذا التعبير في سياق وثائقي ثقافي بدا غير موفق، لأنه يختزل قضية معقدة في كلمة واحدة لا تعبّر عن واقع الحال. وكان الأجدر أن يُستعاض عنه بمصطلح أكثر مهنية مثل "مشاهد هابطة" أو "أفلام رخيصة"، خاصة أن الفيلم وثائقي ويحكي قصة سردية وليس فيلمًا تجاريًا أو شخصيًا ليُمرر مثل هذه الكلمة مرور الكرام.
فالظاهرة ليست أردنية الأصل، بل هي إنتاج عالمي هابط استغلته بعض النفوس الدنيئة من التجار والسماسرة كما يحدث في كل الدول. وفي الأردن، لم تتجاوز هذه الأفلام شاشة أو شاشتين، ولا يمكن أن تُحمّل مسؤولية انهيار السينما الأردنية بأكملها. إن تمرير مثل هذه الكلمة في فيلم وثائقي، وكأنها حقيقة راسخة، أمر لا يليق بعمل يُفترض أن يوثق سردية وطنية، لا أن يكرر مصطلحات تجارية أو شخصية.
من وجهة نظري، الفيلم لم يرقَ إلى مستوى العرض على الشاشة الذهبية، بل كان أقرب إلى تقرير سريع يفتقر إلى العمق. الصور لم تكن مهنية، والمشاهد تكررت بشكل أربك الإيقاع وأصاب الجمهور بالملل. إن التوثيق السينمائي يحتاج إلى وضوح في الصورة، وتماسك في السرد، ورسالة تتجاوز مجرد تجميع اللقطات.
ختامًا
لسنا نطالب بإقصاء الآخر، فالفن عالمي، لكننا نطالب باحترام السرديات الوطنية. إن السينما الأردنية تستحق توثيقًا يغوص في الأعماق، لا توثيقًا يقف عند حافة النسيان. كان الأجدر بالجهة الممولة أن تستعين بمخرج أردني قادر على رسم اللوحة بمصداقية فنية عالية، لأن "أهل مكة أدرى بشعابها".
