رحلةُ البحث عن مستقبلي



 الكاتبه ميس مشاقبه

مُنذ صغري، كنت تلك الطالبة التي تحصد أعلى العلامات، وكنتُ من الأوائل. عائلتي ومعلماتي دومًا يرونني بالزي الأبيض وحولي سماعةٌ طبية، «دكتورتنا» هذا لقبي. 

في مرحلة الثانوية، اجتهدتُ من أجل حلمي. في المدرسة لم أكن أفوِّتُ درسًا، أعود للمنزل فأسهر الليالي كدًّا وتعبًا على المواد، وترافقني دعواتي في كل ليلة. هكذا حتى آخر شهر قبل الاختبارات الوزارية، ظهرت كورونا وأُغلقت المدارس والمراكز. اعتمدتُ على نفسي حينها وأكملت ما تبقى من دروس. في اليوم الأول لي، كان حماسي زائدًا على عكس بقية الطلبة ممن طغى التوتر عليهم، وكأني ذاهبة لأستلم جائزةً وليس لامتحان! استقبلونا آنذاك بالورد ليرفعوا من معنوياتنا، فلم توقفنا حتى كورونا؛ في الوقت الذي كان الناس محجورين في بيوتهم، كنا نمتحن يومًا تلو الآخر حتى انتهت الامتحانات. كنت على ثقةٍ بأني سأحصد أعلى معدل.


 قبل فترة النتائج، كنت أشاهدُ مقابلاتٍ لطلبة الطبِّ ظنًا مني أنني سأصبح في مكانهم قريبًا. حين أُعلِنت النتائج حصلتُ على معدلٍ عالٍ لكن للأسف لم يؤهلني لدراسة الطب، فقد كانت المعدلات مرتفعةً حينها. مع ذلك لم أفقد الأمل، ورغبتي الجامحة وحبي المتعمق داخلي للتخصص لم يسمحا لي بفقدانه أصلًا. وضعتُ الطبَّ في عدة جامعات في قائمة القبول، وتخصصات طبية مساندة أيضًز. في يوم القبولات تلقيت رسالة قبولي في تخصص طبيّ في الجامعة الهاشمية. حقًا لم أكن أعلم عنه شيئًا سوى اسمه، كانت سنتي الجامعية الأولى عن بُعد؛ بسبب جائحة كورونا. في السنة الثانية عندما عدت إلى الجامعة، التقيت بصديقاتي في التخصص اللاتي تعرفتُ عليهن عن بُعد، وأغلبهن قد اخترنَ التخصص وليس العكس. كنت قد أحببتُ الجامعة كثيرًا، كلما أتيتُ لأدرس أتذكر حلمي، أقول لنفسي: ليس هذا ما كنا نطمح إليه وليس مكاني. في المختبرات العملية، كان الجميع يبدعون في التجارب، كلُّ مَن حولي مبتهجٌ وفخور بما يقدمه إلا أنا، كنت أعدُّ الثواني لأنهي وأغادر. حتى هويتي الجامعية لم أذهب لأخذها، إلى هذه الدرجة كان عبئًا ثقيلًا عليَّ. تحدثني نفسي كلَّ ليلةٍ أن الديارَ ليستْ دياري وأنه ليس قدري، ولماذا يُحدد رقمٌ مصيري؟ هكذا حتى انتهى الفصل الأوّل.


 قررتُ حينها تأجيل الفصل الثاني وإعادة بعض مواد الثانوية العامة لرفع معدلي. وحقًا بدأت رحلة الإعادة، وكانت عائلتي تشجعني دومًا. كنت أقرأ قصص طلابٍ استطاعوا تغيير تخصصهم والوصول لأحلامهم حتى باتوا قصصَ نجاح، بصيصُ أملٍ يكسر المستحيل. كتبتُ آمالي على جدران الممكن وانطلقت. ليس سهلًا أن تعودَ لكتبٍ ظننتَ أنّك لن تفتحها ثانيةً، تجاوزتُ هذه المرحلة، أنهِكتُ ولم أجد نفعًا. لم يكن هناك حلٌ سوى العودة، شعورك كالذي سقط أرضًا قبل خط النهاية بخطوات قليلة. في داخلي صوتٌ يهمس: هل يستحق الهدف؟ أم أنني سأعود لنفس المكان مجدداً! أثناء رحلة الإعادة تعرفت على طالبةٍ في الصيدلة، فقصتُها مشابهةٌ بعض الشيء، أخبرتني كثيرًا كيف أنّها حاولت الوصول إلى الطب وكم أن قلبها كان متعلقًا به، لكنها حين دخلت تخصصَ الصيدلة وجدت أنه تخصصٌ إنساني وجميل جدًا لا يقل أهميةً عن تخصص الطب. أخبرتني أكثر عن مجالاته، وأخذتني في رحلةٍ حول عالم الصيدلة. فكرت في كلامها كثيرًا وبدأت أبحثُ عن التخصص، قرأت قصصَ نجاح لصيادلة وبدأت أحب التخصص. كلما مرض فرد من عائلتي وحصل على دواء، أتناول علبة الدواء وأفتحها وأقرأ عنها وأبحث أكثر حول استخدامها ومكوناتها. وقتها بدأتُ مراجعة نفسي وكأني شعرت أني وجدت نفسي، علمتُ حقًا ماذا أريد. قدمت طلب التحاق بكلية الصيدلة في الجامعة الهاشمية. فترة انتظاري للقبولات، وقفتُ أمام كلية الصيدلة أدعو الله بلهفة أن أُقبَل بها. بعد فترة تلقيتُ رسالةَ القَبول، فرحتُ كثيرًا حينها، لا زلت أشعر وكأنها البارحة. وها أنا اليوم في السنةِ الرابعة، رغم أني تأخرتُ عن جيلي سنتين ومررتُ بصعوباتٍ إلا أني فخورةٌ جدًا بتخصصي، وأطمح أن أكون صيدلانيةً تروي للعالم قصةَ نجاحها، وتنهضُ بعلم الدواء لتكون الصيدلة بذرةَ حبٍّ تُغرسُ داخل كلِّ النّاس.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology