محجوب الكريشي أستاذ تنشيط ثقافي و باحث في العلوم الثقافية تونس
هل تساءلتَ يومًا لماذا تنتهي بعض الجلسات وكأنها لم تبدأ؟
الشباب ينظرون إلى الفراغ، والحماس غائب، والنتائج تكاد لا تُذكر.
ليس لأن الشباب لا يريدون التعلّم، بل لأن الطريقة التي نُقدّم بها التنشيط لم تعد تتحدث بلغتهم.
الحقيقة التي نحتاج أن نواجهها بشجاعة هي هذه:
التقليد في التنشيط لم يعد كافيًا
عندما يصبح التكرار عائقًا
لسنوات طويلة، اعتمد كثير من المنشطين على نفس البرامج، ونفس الأنشطة، ونفس الطريقة في إدارة الجلسات. وكان ذلك مقبولًا في زمن كانت فيه المعلومة نادرة والخيارات محدودة.
لكن اليوم، يحمل الشاب في جيبه هاتفًا يتيح له الوصول إلى ملايين المحتويات في ثوانٍ. يرى تجارب من كل أنحاء العالم. يقارن. يحكم. ويشعر فورًا حين يكون ما يُقدَّم له مجرد إعادة تدوير لأفكار قديمة.
التكرار بدون تجديد يُفقد التنشيط روحه.
يتحول من فضاء للنمو إلى طقس إداري لا معنى له.
والمنشّط الذي لا يجدّد أدواته لا يخسر فقط انتباه الشباب — بل يخسر ثقتهم، ثم حضورهم، ثم اهتمامهم بالمؤسسة كلها.
الابتكار ليس رفاهية — إنه ضرورة مهنية
حين نتحدث عن الابتكار في التنشيط، لا نعني استيراد أفكار غريبة عن سياقنا، ولا إنفاق ميزانيات ضخمة على تقنيات باهظة. نعني شيئًا أبسط وأعمق في آنٍ واحد:
القدرة على التفكير خارج الإطار المعتاد، والجرأة على تجريب ما لم يُجرَّب بعد.
الابتكار في التنشيط يعني:
- أن تُحوّل قاعة اجتماعات عادية إلى فضاء للتفكير الإبداعي
- أن تستبدل المحاضرة الطويلة بنقاش يقوده الشباب أنفسهم
- أن تستلهم من الثقافة المحلية والموروث الشعبي مادةً للتأمل والحوار
- أن تُدمج الفن والقصة والجسد واللعبة في خدمة أهداف تربوية حقيقية
الابتكار ليس حدثًا استثنائيًا يحدث مرة في السنة. إنه "موقف يومي" يختاره المنشّط في كل لحظة تصميم، وكل تفاعل مع المجموعة.
---
من أين يبدأ التحول؟
التحول من التقليد إلى الإبداع لا يحدث بقرار واحد، بل هو مسار يمر بمحطات:
أولًا: مراجعة الذات المهنية
ابدأ بسؤال بسيط: ما الذي أكرره لأنه يُريحني، لا لأنه يُفيد الشباب؟
الصدق مع النفس هو نقطة الانطلاق الحقيقية. كثير من الممارسات الجامدة تعيش بيننا لأنها مريحة للمنشّط، لا لأنها فعّالة مع المستفيد.
ثانيًا: الاستماع العميق للشباب
الابتكار الحقيقي لا يُصنع في مكتب، بل في الاستماع. استمع لما يقوله الشباب خارج الجلسات، ما يثير حماسهم، ما يُملّهم، ما يتمنون لو وجدوه في بيئتهم.
الشباب ليسوا مستهلكي برامج — هم شركاء في بنائها.
ثالثًا: التعلم من حقول أخرى
المنشّط المبدع لا يقرأ فقط في علم التنشيط. يقرأ في علم النفس التربوي، وفي تصميم التجارب، وفي الفنون، وفي علم الاجتماع. يتعلم من المعلم ومن المدرب ومن المصمم ومن الممثل المسرحي.
كل هذه الحقول تحمل أدوات قابلة للتكيّف مع سياق التنشيط. الحدود بين التخصصات هي أخصب أماكن الابتكار.
رابعًا: التجريب بلا خوف من الفشل
أحد أكبر عوائق الابتكار في وسطنا هو الخوف من الحكم: ماذا سيقول الزملاء؟ ماذا لو لم تنجح الفكرة؟
لكن التجريب الفاشل الذي نتعلم منه أقوى بكثير من النجاح الذي لا يعلمنا شيئًا.
الخطأ في التنشيط ليس هزيمة — إنه بيانات.
---
الابتكار في سياقنا التونسي
نحن في تونس نمتلك رصيدًا ثقافيًا هائلًا لم نستثمره بعد بالشكل الكافي في ممارسات التنشيط.
الموروث الشعبي، القصة المحلية، الفنون التقليدية، الموسيقى، الألعاب الشعبية القديمة — كل هذا يمكن أن يُعاد توظيفه بذكاء في خدمة أهداف التنشيط الحديث. الشباب الذي يشعر أن ما يُقدَّم له يتحدث عن واقعه وتاريخه يتفاعل بشكل مختلف تمامًا.
الهوية ليست عائقًا أمام الإبداع — هي وقوده.
كما أن المنشّطين التونسيين يعملون في سياق اجتماعي معقد، بين موارد محدودة ومطالب متزايدة. هذا السياق بالذات هو ما يجعل الابتكار أكثر إلحاحًا: حين تضيق الإمكانيات، يتسع الإبداع.
---
خاتمة: أنتَ الأداة الأولى
في نهاية المطاف، أكثر أدوات التنشيط تأثيرًا لستَ التقنية التي تستخدمها، ولا الفضاء الذي تعمل فيه. أنتَ.
شخصيتك، فضولك، جرأتك على التساؤل، قدرتك على الدهشة أمام الجديد — هذه هي المحركات الحقيقية للتغيير.
المنشّط المبدع لا يولد مبدعًا. إنه يختار كل يوم أن يكون كذلك. يختار أن يراجع، يتعلم، يجرّب، وهويفشل، ويعود.
من التقليد إلى الإبداع — ليست قفزة في الهواء. إنها خطوة واعية، تبدأ الآن.
---
