بقلم : رولا علي سلوم
( أجنحة من رماد ) قصة قصيرة، حملت بين جناحيها وطأة أدب الحرب، معاناة الأدباء والمثقفين من حكام ظالمين ذوي سطوةٍ وقتل وتعذيب. في هذه القصة مشاعر حزينة مخبوءة تحت الأرض، بين الأضلاع، في ثنايا الكتب المتطايرة، في أروقة الشوارع والأسواق، على ملامح الوجوه، حتى في إرهاصات فرح لا يكتمل، أيّ وجعٍ يعانيه الأديب العربيّ في الوطن العربيّ !! إنّها آلامٌ واحدة قاسمُها المشترك الظلم والقهر والاستبداد، للأسف، حكامنا العرب لايلتقون بأبناء شعوبهم وأوطانهم، لأنهم عبء ثقيلٌ على الأرض وعلى أبنائها. يُصوّر الكاتب بصيغة الغائب لحظة القبض على زميلٍ له في الصحافة أو الأدب، ويبدو القلم والحبر أعظم سلاحين أوجدتهما البشرية عبر العصور، ولذلك عمدَ الكاتب أو السارد للقصة إلى تخبئة القلم ودفتر الملاحظات بين أوراقه، " وعلى حين غفلة خبّأتُ قلمه ودفتر ملاحظاته بين أوراقي" ص٦٠. يبدو القلمُ شيئاً خطيراً مُرعباً للآخر المستبِد الطاغي، نعم هو كذلك بحقّ، لأنّ ما يُسطّره اليراع خالدٌ لايموت، على حين تفنى طلقات الرصاص، ويصدأ السلاح، ويتلاشى فعلهما بخبيث ما ينتج عنهما... ولأنّ القلم خالدٌ، فهو بمعانيه الثرّة يسري في عروق حامله، الأديب الذي يُبدعُ بقلمه هو خالدٌ مثله، صلبٌ، لاتربكه أسلحة الجنود أو همجيتهم، قد يرحل الأدباء جسداً، لتستمر أفكارهم في عقول الآخرين وقلوبهم، هذا ماعبّر عنه السارد بقوله:" اجلب الشاي لأستاذ... مازلتُ أذكر عبير الشاي الصباحي في دمي مذ فارقته" ص٦٠ ويجعل الكاتب " جميل إبراهيم صالح" القلم والسلاح مترافقين معاً عندما حمل بطل قصته " السارد" مجرفته يبحث في الحديقة القريبة لبيته عن بارودة دفنها، كانت أحد نفائس العائلة التي احتفظ بها بعد أجيال تناقلتها من يد ليد، " فككت دثارها وتأملت الوشم البارز عند مقبض الحاضن، تحسستُ أحرف اسم جدي محفوراً عليه، كان ناتئاً، حرّرتُ أصابعي من اسطوانة الحارق فبرودة المعدن أوقفت الدم في عروق أصابعي المتجمدة" ص ٦٢ ولكن؛ لم يهنأ البطل بما حصل عليه، ليجد نفسه مرمياً على الأرض إثر ضربةٍ جاءته من الخلف أسفل رقبته، آلمته تلك الضحكات البربرية التي غطت الأرجاء. ثم يقودنا السّارد الذي لم يسمّه الكاتب في القصة دلالة على كثرتهم، إلى وصف الآلاف المكدّسين في زنزانة نتئة لأخرى موبوءة، يقول:" فصول من الألم والوجع والغربة والتيه وسط سجنٍ وسجّان، سجن نافق ترشح من جدرانه برد وآهات محفورة لأناس سجّلوا تاريخهم على أسطح جرداء باردة تشلّ الحواس، وسجّان رضع الحقد ضدّنا لقرون مضت، يبتكر صنوفاً وأجيالاً من سبل التعذيب لينالنا منه أسواط العذاب" ص ٦٣ تصويرٌ واقعيّ يلفح الوجوه بقهرٍ لاحدود له، وجرأةٌ باتت تظهر جليّاً في أدب الكثير من الكتّاب والكاتبات في وطننا العربيّ، والحال واحدةٌ في جميع بلداننا العربية، السجنُ واحدٌ، والسجّان هو ذاته بصفاته الصلدة البعيدة عن الرحمة والشفقة والإنسانيّة، والمسجون أيضاً واحدٌ بضعفه وامتلائه وغناه فكراً وثقافةً ووعياً وشغفاً للحياة الكريمة، كتبت الأديبة السورية " روزا حسن" منذ سنوات كتابها بعنوان " نيغاتيف" من ذاكرة المعتقلات، وكتبت الأديبة السورية " جمانة طه" كتابها بعنوان " اعتقال الحياة " وكلتا الأديبتين نشرتاه خارج سورية، وكتب الأديب السوري الراحل " خالد خليفة" أيضاً كتابه الذي جُوبِه بشدّة بعنوان " الموت عمل شاق"، وكتبت الأديبة السورية " هنادي زحلوط" عن أدب السجون روايتها بعنوان " إلى ابنتي"، كذلك الأديب السوري " المغيرة الهويدي" روايته بعنوان " قماش أسود" ضمن أدب الحرب في سورية .. وهذه العناوين وغيرها الكثير شاركت الكاتب " جميل إبراهيم صالح" فيما كتبه عن وصف القهر والظلم والاستبداد الذي يعاني منه الإنسان العراقي والعربي في كلّ مكان.
يستخدم الكاتب في قصّته " أجنحة بلا رماد" الذائقة الشميّة كتعبير عن الرفض والاحتقار عندما يشبّه رائحة هؤلاء المتوحشين المستبدين كرائحة التيوس كما في قوله:" أحدهم فاحت منه رائحة التيوس دفعني وأومأ بيده أن امضِ.. " ص٦٤.. ويستذكر شوارع بعينها لها تاريخها وعراقتها كشارع المتنبيّ في العراق، ويأتي تصوير الكتب الواجفة من هدير عربات أمريكية وكأنّها حمامات تطايرت خوفاً ورعباً " وتطايرت الصفحات مع الريح التي حملت معها البارود ورائحة الثيران ذوي الوجوه الملطخة بالإسفلت.. لا أدري أخوفهم أجفل وريقات الكتب أم خوفهم من كلّ شيء أجفلها ؟؟ " ص٦٥ ويختم السارد قصته وهو يبحث عن كتاب صديقه المُعتَقَل علّه يجده بين الكتب، ولكن عبثاً مرّت خمس سنوات من غير أن يجده، ويبقى عزاؤه أنه كان أصيلاً كنخلةٍ تمتّد جذورها لآلاف السنين، الفكر لايموت، يتغلغل عميقاً في الوجدان و في الذاكرة والقلب، ويمتدّ ليلتحمَ مع جذور النخيل الضاربة عميقاً في باطن الأرض. قصة معبرة جداً دفعنَا الكاتب بشوق لقراءتها ومعرفة خاتمتها، وعلى الرّغم من وضوح الخاتمة إلا أنّ الكاتب آثر أن يتركها مفتوحةً لخيال القارئ، ليجدَ ما يستطيع من التأويلات والنهايات التي تليق بها.
