بقلم سيࢪِين دُوحَل
الحربُ، يا صديقتي، لا تطرق الأبواب حين تأتي، بل تقتحم الروح قبل البيت، وتترك في القلب ندبةً أعمق من أي جرحٍ ظاهر. هي ليست صراعَ جيوشٍ فحسب، بل امتحانٌ للإنسان في أضعف ما فيه: قلبه.
وهنا، حيث تشتدّ النيران ويختنق الأفق، يولد سؤال: كيف يجرؤ الحبّ على أن يتنفس بين هذا الرماد؟
الحبّ في زمن الحرب يشبه زهرةً عنيدة تنمو بين صخورٍ قاسية، أو طائرًا صغيرًا يرفرف بجناحٍ مكسور فوق سماءٍ تشتعل. إنه ليس ترفًا ولا نزوة، بل حاجةٌ أشبه بالتنفس. من يفقد بيته، يبحث عن بيتٍ في قلب آخر، ومن يفقد عائلته، يتشبّث بيدٍ ترتجف، لكنها دافئة. في غزة، حيث القصف يسرق من العمر أعواماً في لحظة، يصبح الحبّ وسيلةً لمقاومة النسيان، وصوتًا خفيًا يقول: ما زلنا أحياء، رغم كل ما مات فينا.
لكنّ الحرب لا تمنح دون أن تسلب. كم من قصصٍ بدأت بخطوةٍ صغيرة تحت السماء المحترقة، ثم انتهت قبل أن تُزهر؟ كم من عيونٍ وعدت باللقاء، فأطفأها الموت وهي لا تزال معلقة في الأفق؟ إنّها الحرب: تُشعل شرارة الحبّ لأنها تجعل كلّ لحظة أغلى من العمر، لكنها أيضًا تُطفئه لأنها لا ترحم أحدًا.
ومع ذلك،يبقى الحبّ أقوى من السقوط. فحين يُهدم بيت، يُبنى بيتٌ آخر في الذاكرة، وحين يرحل جسد، يبقى العهد، يبقى الأثر. ترى أمُّ الشهيد تضمّ حفيدها كأنها تحتضن ابنها من جديد، وترى الفتاة التي فقدت خطيبها ترفع صورته في مسيرةٍ كأنها تقول: لم تقتله الحرب، بل أنجبته أبديًا.
الحبّ والحرب، ثنائيةٌ غريبة: إحداهما تُفتّت، والأخرى تُلَمْلِم. لكن سرّهما أنهما معًا يكشفان جوهر الإنسان. فالحرب تقول: "أنت فانٍ." والحبّ يجيب: "لكنّك قادر أن تمنح الخلود."
وفي غزة، حيث تختلط الدمعة بالابتسامة، يظلّ الحبّ المعجزة الأخيرة التي لا تنكسر: حبّ الأرض، حبّ الأهل، حبّ الله... حبّ يجعل من الركام جسرًا نحو فجرٍ جديد.
فالحرب ليست نهاية الحبّ، بل مَحَكُّهُ. ومن رحم الرماد يولد أحيانًا أنقى قلبٍ، وأصفى ضوء. وهنا، في وجه البارود، يُعلن العاشق الفلسطيني أنّ الحبّ ليس نقيض الحرب... بل هو سلاحها الذي لا يُهزم.
–
