مراجعة ادبية لرواية ابنة آدم للأديبة نسرين المشاعلة

  


للأديب والناقد السوري جمال طرابلسي



بين قلق الوجود والبحث عن الفردوس المفقود

#توطئة 

يقول الكاتب الروائي الفرنسيّ ميلان كونديرا:

الرّواية لا تَدرسُ الواقع بل تدرسُ الوجود.. والوجود هو ما يمكن أن يكونَه الإنسان.

وكلام كونديرا يعني أنّ العمل الروائيّ ليس توثيقاً ولا تسجيلاً للأحداث إنما هو محاولة لسبر أغوار الإنسان وتحفيز طاقته الكامنة، وعليه فالرّواية تشتغلُ على الذّات البشريّة في مواقفَ يتمّ تخيّلها وتحدّدُ مصير الكائن الإنسان 

والرواية - كما أرى –أداة تفكير أداة تغيير وهذا ما فعلته نسرين مشاعلة بالضبط فالرّواية في هذا العالم المجنون لا يجوز أن تكون مجرد عمل حكائيّ يسرد الواقع بأسلوب إخباريّ.

إنّ الرواية في القرن الحادي والعشرين وفي ظلّ هيمنة رأس المال والقطب الواحد وتراجع مقام الإنسان وانشغال البشريّة بمآلات حروب الغرب علينا ووسائل التواصل الاجتماعي لا يمكنها أن تتجاهل ذلك وتذهب بالقارئ إلى مدينة الملاهي، فالرواية في شرقنا المتعب ليست ترفاً لأنّها تمثّل التّجربة الفكريّة والحياتيّة للمؤلّف الذي يعيد تخليق الحياة وتجديد الألوان لتكون شديدة التأثير على المتلقّي لإحداث التّغيير المطلوب في الرّؤى والسّلوك. وهذا أيضاً تجلّى في الرواية الفاتنة (ابنة آدم) 

كتبت هذه المقدّمة الطويلة تمهيداً للدّخول بما هو أساس في المشهد الروائي الإبداعيّ لرواية (ابنة آدم) للأديبة الروائيّة الشّابّة (نسرين مشاعلة) هذا العمل المختلف، هذا الكون المختلف الذي صاغه خيال الأديبة ببراعة أدبيّة لافتة 

كونٌ افتراضيّ وشخصيّات افتراضيّة تسير وتتحرك بيننا تحملُ ملامحَنا الحائرةَ وأوجاعنا المتجذّرة وخيباتِنا المتتالية وطموحاتِنا التي لا تتوقف.

ابنة آدم عمل مزج بين الخيال والواقع بطريقة فاتنة وجعل من الخيال شيئاً ممكناً وهذا ما يمكن تسميته بالواقعيّة الممكنة، صحيح أن العمل لا يتعاطى مع الإيديولوجيات التي تحكمنا في هذا الكون المترامي الأطراف لكنه يبحث بقوّة عن خلاص الإنسان وانعتاقه من مظالم الإنسان وقد يكون هذا الانعتاق بالوصول إلى أرض أخرى يمكن الوصول إليها برّاً أو بحراً وربّما عن طريق الفضاء أيضاً وربما يمكن أن (يكون على أرضنا).

المشهد السّرديّ في ابنة آدم 

تبدأ الرواية من المطار فابنة آدم مدعوّة لحضور مؤتمر (أصحاب نظرية الأرض المسطحة) في بلد ما غير محدّد تماماً كما أنّ أحداث الرواية تجري في بلد عربيّ غير محدّد تعيش ابنة آدم قصة حبّ افتراضيّة حميمة لكنّ هذا الحبّ لصاحب الظلّ الطويل يتهاوى بمجرد خروجه من خلف الشاشة إلى الحياة الحقيقيّة بكلّ تعقيداتها وخيباتها.

في ذات اليوم الذي تنهار فيه قصّة الحب يظهر خطر غامض متأتّ من جسم فضائيّ كانت قد حذّرت ناسا منه كثيراً يقترب من الأرض ويهبط على إحدى القمم في الدولة العربيّة التي تجري فيها الأحداثُ الافتراضيّة ثمّ يبقى لبعض الوقت.

وهنا ترصد الكاتبةُ مواقفَ الناس ومشاعرَهم تجاه الطّارئ الجديد وتتبلور فكرةُ القصّة الأساسيّة وهي ترصد حالة الضّياع واليأس التي يعاني منها أصحاب الكفاءات والشهادات من جيل الشباب ورغبتهم الجامحة في الخروج من سجن الغثيان في هذا الوطن إلى سماوات الحلم إلى مواطن أخرى تحطّ عليها أقدامهم ويتلمّسون فيها إنسانيّتهم ومواطنيّتهم فالأرض هي أرض الله (المسطحة).

كلّ شخصيّة تتصرّف وفقَ وعيِها بين أن يكونَ الجرم الفضائيّ خطراً أو بوّابة الخلاص وكلّ يريد تجيير الأمر لِما يريد 

وهذا العمل يذكّرني برواية (ثلج الصّيف) للروائيّ السوريّ نبيل سليمان 

فالعتبة الروائيّة هنا تبدأ من المطار وعند نبيل سليمان تبدأ من (كراج في مدينة دمشق يتجمّع فيه المسافرون للسفر نحو المحافظات) وإذا كان نبيل سليمان أراد بالكراج اجتماع الناس من منابت طبقية وفكريّة متنوّعة في حركيّة لحظيّة فإنّ  نسرين مشاعلة تبدأ الرواية من المطار الذي يشكّل فضاء رمزيّاً يعبّر عن القلق الوجودي رغم أنّ بطلة الرواية ابنة آدم بَدَتْ واثقة من نفسها للوهلة الأولى وسرعان ما نكتشفُ قلقَ الحلم من خلال استحضارها الدائم الهادف لشخصيّة (عبّاس بن فرناس) الذي اجترح فكرة الانفصال عن هذه الأرض بجناحين، نعم الانفصال عن هذه الأرض التي تغرق في التلوّث وقلق الوجود من خلال هدف وجودها في المطار وهو الوصول إلى مؤتمر كونيّ (لأصحاب نظريّة الأرض المسطّحة) ينتهي بفكرة إقامة رحلة إلى أطراف الأرض تفضي إلى الانفصال أيضاً عن هذه الأرض الولود بالمآسي والوصول إلى الفردوس المنشود حيث يتوقف الزّمن ويصبح هذا الكائن الذي يسير بساقين إنساناً

شخوص الرّواية الرئيسة:

في الرواية خمس شخصيّات أساسيّة وكل شخصيّة تمثّل شريحة اجتماعيّة في مجتمع يبدو منفصلاً إلى حدّ كبير عن أحلام أبنائه يشدّهم إليه بخيط مهترئ في حين يحاول بالونٌ عملاق رفعهم إلى المجهول 

- ابنة آدم: بطلة الرّواية وتمثّل المرأة بفيض عواطفها وهي تنشدُ الخلاص لنفسها وللبشريّة الغرقى في التلوّث بالوصول إلى عالم نقيّ كما كان في لحظة البَدء 

– صاحب الظلّ الطويل الشّغوف بالقراءة يمثّل الشّباب المتخم بالعالم الرقميّ ولكنّ الجوع العاطفيّ يمزق روحه الحائرة

 – الشيخ المحارب: الرجل الثمانينيّ يمثل الذّاكرة الوطنيّة من زمن حروب الكرامة فيختارُ الصّحراء ملاذاً أثيراً وأخيراً هروباً من مدن بلا هويّة في بلد بلا هويّة 

 –جامع الخردة ويمثّل الرجل الواقعيّ الذي يقتنص الفرص فيلتقط ويجمع الخردة ويعيد تدويرها وكلّ أزمة بالنسبة له هي فرصة وهو بذلك يمثّل أيضاً الطبقة التجاريّة الرثّة التي تفعل أيّ شيء من أجل المال

– الرجل غير المرئي باختصار هو كلّ الشباب الذين تكسّرت أجنحتهم فتأبّطوا شهاداتهم وحملوا لافتات مكتوب عليها بكلّ لغات الدنيا (نطلب اللجوء والهجرة)

#بعضٌ من رمازات الرواية وقلق الوجود 

أولاً أسماء الشخصيّات 

لا أعتقد أنّ الروائي يختار أسماء شخصيّاته بشكل عابر بل يتم الاختيار بعناية وتركيز ويتمّ عكس الأبعاد الاجتماعية والثقافيّة في الأسماء وتركها لتطفو كقارب جميل الألوان وتنمو بعض الأسماء مع نمو الشخصيّة لتحلّ أحياناً محل اسم الرواية كما في رواية (فساد الأمكنة لصبري موسى) فباتت الرواية تُعرف باسم بطلها شحاتة.

لكنّ الكاتبة الأديبة نسرين مشاعلة لم تُلبس شخصيّاتها أسماءَ العلم المعروفة وخرجتْ عن المألوف وألبستْ شخصيّاتها أسماءَ مبتكرةً من أدوارهم الاجتماعيّة وصفاتهم أو من رمزيّة أدوارهم وبذلك جرّدتهم من خصوصيّاتهم الفرديّة وانتقلت بهم إلى تجسيد هويّتهم الوظيفيّة التيتمّ تخليقهم لأجلها وهذا الأمر جعل الرواية رغم التسجيليّة المفرطة أكثر تجريداً وهذا ما نجده أيضاً في روايات مثل (النائب في يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم ) و (الزين في عرس الزين للطيّب الصالح) 

فشخصيّة ابنة آدم هي المرأة الوحيدة في الرواية ولكنّها بهذا الاسم لم تعد تمثّل امرأة لها هويّة بطاقة شخصيّة بل أصبحت ترميزاً للمرأة عموماً في مجتمع الرواية في شغفها العاطفيّ وشغفها الفكريّ بأبعاده الإنسانيّة وشغفها الأدبيّ من خلال روايتها (الهروب من الأرض) 

وهنا تطرح الأديبة رؤاها عبر رواية افتراضيّة لشابّة افتراضيّة اسمها ابنة آدم، حيث تؤجج الكاتبة حروباً دمويّة وتسير بالحياة نحو الفناء ويعمّ الجفاف ويغور الماء وتتلاشى الموارد وتقترب البشريّة من الفناء بحرب نوويّة لا تبقي ولا تذر، وترسم صورة مأساويّة للهاربين على ثلوج القطب نحو الفردوس المنشود

وعندما تتحدث الكاتبة عن غلاف الرواية الافتراضيّة تتوضّح الصورة الرؤيويّة أكثر حيث تظهر فتاة على حافّة الكون وتريد أن ترمي بنفسها في طبقات الضباب

ثانياً الأرض المنبسطة 

تتردّد الفكرة كثيراً منذ مطلع الرواية وهي موضوع المؤتمر الافتراضيّ 

فهل أرادت الكاتبة أن تدحض حقيقة كرويّة الأرض أم أرادت أن تصنع حاملاً منطقيّاً ورمزيّا لإمكانيّة أن يكون لهذه الأرض حافّة تستطيع القفز بين طبقات ضبابها نحو الأرض الأخرى وممّا لا أشكّ فيه هو أنّ الكاتبة تعيد تخليق الكون كما تعيد تخليق المجتمعات بهدف زرع فكرة الأرض الأخرى أو الفردوس الذي لا حروب فيه ولا جوازات سفر ولا رجال أمن عنصريّين

ثالثاً الجرم الفضائي 

يمثّل الجسم الفضائي الذي اقترب من الأرض واختار أحد المرتفعات ليهبط عليه يمثل الخطر الدّاهم والغامض المتأتي عن تطوّر العلوم سواء عند الإنسان أو الكائنات الافتراضيّة في العوالم البعيدة ولعلّ الكاتبة نشدتْ أمرين من ظهور هذا الجرم 

الأوّل هو رصد ردود أفعال شخصيّات الرواية والمجتمع عموماً وكيف يتصرف مع حالة اضطراب كونيّ أو اختراق كونيّ يمكن أن يشكّل خطراً على المجتمع وهكذا رأينا انكفاء صاحب الظلَ الطويل واهتمامه بتأمين أسرته أولاً بينما وجد كلّ من جامع الخردة والرجل غير المرئيّ في الأمر فرصة لتحقيق أحلامه فالأول يحلم بشيء ليبيعَه والثّاني وجد في الأمر فرصته للهجرة معهم نحو عوالم بعيدة 

ردود الأفعال المتباينة هذه وغير المؤطّرة تَشي بالتفكك الاجتماعي الهائل والشرخ النهائي بين المجتمع والكيان السياسي الذي يدير المجتمع وانهيار القيم المثلى للعقد الاجتماعي للدولة الافتراضيّة. وهذا تبدّى واضحاً في دولنا العربيّة في الربع الأوّل للقرن الحادي والعشرين. 

قلق الوجود والفردوس المنشود 

عناصر الرواية الفكريّة والسيكولوجيّة تعكس حالة من الخوف العميق عند الشخصيّات خوفٌ على كلّ شيء ابتداء من القلق على الحياة بظهور الجرم الفضائي أو المجازفة بالحياة من خلال الاقتراب منه واللامبالاة بحياةٍ طعمها شديد الخيبة مروراً بالقلق على الهويّة التائهة والمستقبل المتّشح بالسّواد

إنّ قراءة متأنّية للرواية تضع أمامنا أسئلة القلق الوجودي الكبرى وعلى رأسها:

من نحن؟ لماذا نحن كذلك؟

هذا الاتّشاح بالخيبات والأسئلة الوجوديّة الكبرى والوقوف على شفا جرفٍ لا يعني القنوط والانهيار والانكفاء في هذا العمل الإبداعيّ، فالشخصيّات القلقة جميعها تسعى نحو التغيير وهنا تكمن الطّاقة الروحيّة الإيجابية في العمل، فالجميع يسعى لتغيير واقعه والاستفادة من أشدّ الفرص خطورة للوصول إلى الأرض الأخرى والتي أسميتُها الفردوس المنشود.


ابنة آدم رواية منحازة إلى الفقراء والمحرومين منحازة إلى الإنسان بفطرته الأولى منحازة إلى الشباب وتحمل همومه من خلال الرموز الشفّافة التي عرضت لثلاثة منها 

منحازة إلى الوطن وتريد (أن تهرب منه إليه) فتقيم عليه فردوسها المفقود وليس على الأرض الأخرى فتلك الأرض البعيدة بعد الحافّة التي قرأنا عنها كثيراً في الرواية هي مجرد مكافئ موضوعي لعالم العدل والحريّة والجمال 

الذي تريد له أن يكون هنا في بلاد العرب أوطاني .

نسرين مشاعلة لا تعنيها الأرض الأخرى ولا المركبات الفضائيّة ووسائل التواصل والمبتكرات الرقميّة إلّا بقدر خدمتها للإنسان 

تقول الرواية في الصفحة 70:

هل نحن سعداء لوصولنا إلى القمر؟ ثمة رغيف يابس منسيّ في قاع الأرض يشبه وجه القمر لكنه يصلح عَشاء لهذا اليوم عشاء للفقراء، يا لسعادة الفقراء والجوعى بالأعلام التي ترفرف بعيداً!

ابنة آدم رواية شعوريّة رهيفة وشفيفة تنطلق من الأرواح في غنائيّة فلسفيّة نفسيّة كتبتها الأديبة نسرين مشاعلة بلغة تسجيلية مفرطة ولكنّها لغة مثقّفة وعالية المقام تتماوج فيها البساطة التشيخوفيّة كشلّال زهر في مروجٍ أنَفةٍ .


 


.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology