حوار مع الشاعر والناقد الهندي الدكتور بروايز شهريار



 Interview with the Indian Poet and Critic Dr.

 Perwaiz Shaharyar

Conducted by the Lebanese–Brazilian poet and translator Taghrid Bou Merhi



أجرته الشاعرة والمترجمة اللبنانية البرازيلية تغريد بو مرعي


يُعدّ الدكتور بروايز شهريار أحد الأصوات الأدبية البارزة في المشهد الثقافي الهندي، حيث يجمع في تجربته بين الشعر والنقد والبحث الأكاديمي والعمل الثقافي. وهو شاعر متعدد اللغات، وكاتب قصة قصيرة، وناقد، وباحث أسهم في خدمة اللغة والأدب عبر مؤسسات ثقافية وتعليمية مرموقة في الهند. يشغل منصب المحرر الاستشاري للغة الأوردية في المجلس الوطني للبحوث والتدريب التربوي التابع لوزارة التعليم الهندية، كما شارك في لجان تحكيم لجوائز أدبية مهمة وعضوية مؤسسات ثقافية بارزة. صدرت له اثنان وعشرون كتابًا في مجالات الشعر والقصة والنقد والترجمة وأدب الطفل، إلى جانب مئات المقالات والدراسات. وقد شهدت تجربته الشعرية باللغة الإنجليزية حضورًا لافتًا منذ جائحة كوفيد-19، حيث كُتبت قصائده وترجمت إلى العديد من اللغات العالمية. وفي أحدث أعماله الشعرية «القارب المشتعل» تتجلى أبعاد صوفية وتأملات فلسفية عميقة. في هذا الحوار نحاول الاقتراب من تجربته الإبداعية ورؤيته للأدب في عالم متغير.


الأسئلة:


1- تغريد: كيف بدأت علاقتك الأولى بالأدب، ومتى أدركت أن الكتابة ستصبح جزءًا من مسيرة حياتك؟

برويز: نُشرت أول قصة قصيرة لي في 6 سبتمبر 1980 في صحيفة أدبية تُدعى "PINDAR" كانت تصدر من باتنا، بيهار، الهند. كنت آنذاك طالبًا في الصف العاشر في مدرسة شركة تاتا للحديد والصلب (TISCO) في جامشيدبور، بيهار. وعندما قام أقاربي وأصدقائي بتهنئتي والاحتفاء بي، أدركت للمرة الأولى أنني أستطيع أن أكون كاتب قصة جيدًا. قبل ذلك، كنت مهتمًا بإبداعات أخرى مثل الرسم والتلوين وغيرها.


2- تغريد: درستَ الأدب الإنجليزي في جامعة رانشي ثم تابعت دراساتك العليا في جامعة جواهر لال نهرو. كيف شكّلت هذه التجربة الأكاديمية رؤيتك الأدبية؟

برويز: بعد دراساتي العليا، بدأت أكتب قصصًا قصيرة بعمق فكري وحساسية وفهم للمشكلات السائدة في المجتمع الهندي. درستُ بعمق الفقر والخرافات لدى الفئات المحرومة وغير المتعلمة التي تعيش في شحّ الموارد. تدور قصصي حول القضاء على آفات المجتمع. أما من حيث الحِرفة الأدبية، فقد اكتسبت معرفة أكبر في بناء القصة بمهارة، والعمل بجد على الحبكة، وبناء الشخصيات، والحوار، والمشاهد، وتسلسل الأحداث، وكذلك البداية والنهاية الدرامية للقصة لجعلها أكثر تأثيرًا. كما تعلمت كيف أحقق وحدة الزمان والمكان والحدث. لقد ساعدتني خلفيتي التعليمية كثيرًا في مسيرتي الأدبية. وأجد الآن أن لقصصي تميزًا مقارنة بغيرها من أعمال الكتاب الغزيرين. وعلى الرغم من أنني أصدرت حتى الآن ثلاث مجموعات قصصية فقط، إلا أنني راضٍ عن عملي لأنني دقيق جدًا في اختيار الموضوعات. أتناول قضايا ملحة وأعمل عليها كما لو كانت مشروعًا بحثيًا متكاملًا، وقد يستغرق إنجازها أحيانًا ستة أشهر أو أكثر.


3- تغريد: حصلتَ على درجة الدكتوراه من جامعة دلهي. ما موضوع أطروحتك، وكيف أثّر ذلك في مسيرتك النقدية؟

برويز: نعم، هذا صحيح. لقد أنجزت ثلاثة أبحاث وهي كالتالي:

دراسة نقدية لفن الرواية عند راجيندر سينغ بيدي

مفهوم المرأة في القصص القصيرة لدى سعادت حسن مانتو وإسمت تشغتاي – دراسة سوسيولوجية مقارنة

التنضيد بالليزر للغة الأوردية: مشكلاته وتحدياته في صناعة النشر في الهند

قرأتُ مئات القصص القصيرة والعديد من الروايات للبحث عن المضامين والعناصر الأساسية اللازمة لأبحاثي في مرحلتي الماجستير والدكتوراه. كما قرأت عددًا كبيرًا من كتب النقد للتعرف على آرائهم ومقارباتهم لحياة وأعمال راجيندر سينغ بيدي وسعادت حسن مانتو وإسمت تشغتاي.

وتُعدّ الأبحاث الجامعية تدريبًا على النقد التطبيقي. وكانت ثمرة أبحاثي أنني أصدرت حتى الآن كتابًا نقديًا عن مانتو وإسمت، وثلاثة كتب عن راجيندر سينغ بيدي.


4- تغريد: أنت شاعر متعدد اللغات (الأوردية، والهندية، والإنجليزية). كيف تختلف تجربتك الإبداعية بين هذه اللغات؟

برويز: أحدد أولًا لمن أكتب، ثم أبدأ بالتفكير في الموضوع والفكرة. فإذا كنت سأكتب قصة للأطفال باللغة الأوردية، أحدد الفئة العمرية والخلفية الثقافية للقراء المستهدفين، ثم أكتب باستخدام مفردات مناسبة لأعمارهم ووضعهم الاجتماعي.

وفي مثال آخر، إذا أردتُ كتابة قصيدة عن السلام لجمهور عالمي باللغة الإنجليزية، فإن أسلوبي سيكون أوسع وأكثر عمقًا، مع مراعاة الخلفيات الجيوسياسية واللغوية للقراء.

أما كتاباتي باللغة الهندية فهي موجهة أساسًا للقراء في الهند، وتدور حول قضاياهم الاجتماعية والثقافية الخاصة. أنا كاتب تقدمي في منهجي، وأعمالي ذات فائدة اجتماعية وتلبي احتياجات المجتمع.


5- تغريد: لقد عملت في مؤسسات ثقافية وتعليمية مهمة في الهند. كيف ترى العلاقة بين العمل المؤسسي والإبداع الأدبي؟

برويز: تختلف طبيعة العمل من مؤسسة إلى أخرى. فالمؤسسات التعليمية والثقافية، وبشكل أكثر تحديدًا اللغوية، تختلف مهنيًا عن بعضها. العمل في مؤسسة تعليمية مثل NCERT يتطلب معرفة تقنية أكبر، وهناك مصطلحات خاصة تختلف عن تلك المستخدمة في المؤسسات اللغوية. في الهند، نعمل إما باللغة الإنجليزية أو الهندية، ولهذا فإن توجهي هو ككاتب إبداعي متعدد اللغات. نعمل ثماني ساعات يوميًا من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً. ومع ذلك، فإن الكتابة الإبداعية هي شغفي، وأخصص لها وقتًا من جدول أعمالي اليومي، وغالبًا ما أكتب في الصباح الباكر أو في وقت متأخر من الليل عندما ينام الجميع، لأن ذلك يتطلب صفاء الذهن.


6- تغريد: شغلتَ منصب محرر استشاري (للغة الأوردية) في المجلس الوطني للبحوث التربوية والتدريب. ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات التعليمية في دعم اللغة والأدب؟

برويز: في الواقع، لا يمكن تعليم اللغة في فراغ، بل تحتاج إلى وسائل لنقلها إلى المتعلمين. فالقصص، والقصائد، والمسرحيات، والمقالات هي الوسائط التي نُنمّي من خلالها مهارات اللغة والتحدث لدى المتعلمين. وفي إعداد الكتب المدرسية، يتمثل دوري في التأكد من أن اللغة والمصطلحات التقنية مناسبة للفئة العمرية للطلاب. وبصفتنا محررين، نعمل على تحسين قابلية القراءة وجودة الكتب بشكل عام. أما الأدب فهو في جوهره هذه الأجناس التي تنقل تراثنا الثقافي والتاريخي إلى الأجيال الجديدة. ويلعب المجلس الوطني للبحوث التربوية والتدريب دورًا كبيرًا في تشكيل الأدب الهندي والعالمي، سواء الكلاسيكي أو الحديث، من خلال المناهج ضمن الإطار الوطني للمناهج الدراسية. وبالطبع، يهدف إطار 2020 إلى تعزيز مهارات التعلم متعدد اللغات لدى الأطفال، مما يدعم تعلم اللغة والأدب أيضًا.


7- تغريد: كنت عضوًا في المجلس الاستشاري لمؤسسة الكتاب الوطنية في الهند. كيف تقيّم واقع النشر والقراءة اليوم؟

برويز: إنه في أعلى مستوياته على الإطلاق. فمع تطور تقنيات الطباعة، يشهد قطاع النشر ازدهارًا كبيرًا في بلادنا، كما ساهم النظام التعليمي في زيادة عدد المتعلمين بشكل ملحوظ في الهند. وفي الوضع الحالي للنشر والقراءة، لعبت مؤسسة الكتاب الوطنية دورًا مهمًا في ترسيخ عادة القراءة لدى طلاب المدارس. إذ توجد زاوية للكتب في كل مدرسة، حيث يمكن للطفل القراءة مجانًا وفق اهتماماته. وأستطيع القول إنه في المستقبل القريب سيتم نشر مليارات الكتب بأكثر من 28 لغة رسمية لتلبية احتياجات العدد المتزايد من المتعلمين في الهند. كما تنظم المؤسسة معرض الكتاب العالمي سنويًا في الهند، وتشارك أيضًا بآلاف الكتب في معارض دولية.


8- تغريد: لقد شاركتَ في لجان تحكيم لجوائز أدبية مرموقة مثل جائزة أكاديمية ساهيتيا. ما المعايير التي تراها أساسية عند تقييم الأعمال الأدبية؟

برويز: هناك قواعد محددة وضعتها حكومة الهند لمنح الجوائز لمواطنيها. وكما تعلمون، لا يوجد نقص في الكتب الجديدة التي تُنشر سنويًا في مختلف الأجناس الأدبية وبالعديد من اللغات. وتعتمد عملية الاختيار على نظام من ثلاث مراحل. ويمكن لأي شخص الاطلاع على التفاصيل من خلال موقع أكاديمية ساهيتيا، حيث تتوفر معلومات حول الشفافية في اختيار الأعمال من قبل لجنة التحكيم. ويتم الاختيار وفق معايير ديمقراطية، حيث تُمنح الجائزة بناءً على تصويت الأغلبية. وهو نظام صارم للغاية، إذ يتم التدقيق في جميع الثغرات لضمان الحفاظ على المستوى الرفيع والمكانة المرموقة للجائزة الوطنية.


9- تغريد: كيف تنظر إلى دور الجوائز الأدبية في دعم الكتّاب والمبدعين؟

برويز: إنه سؤال مهم جدًا، عزيزتي الشاعرة القديرة تغريد بو مرعي. لقد فكرت كثيرًا في إيجابيات وسلبيات الجوائز، وهل تساعد الكتّاب على تقديم الأفضل أم لا. في الحقيقة، هي نوع من التقدير والاعتراف بالكاتب الذي يقدّم أعمالًا متميزة للأدب. فالأدب نشاط اجتماعي هادف وذو معنى، والعمل الأدبي الجيد يبعث طاقة إيجابية في المجتمع، بل إن العمل الإبداعي العظيم يغيّر أبعاد تفكيرنا ورؤيتنا للعالم. لذلك، فإن تكريم الكتّاب ومنحهم الجوائز والتقدير يدعمهم بلا شك لمواصلة العمل الجاد من أجل الارتقاء بمجتمعاتهم اللغوية، وبالمجتمع عمومًا.


10- تغريد: بدأتَ كتابة الشعر باللغة الإنجليزية خلال جائحة كوفيد-19. ما الذي دفعك إلى هذا التحول في ذلك الوقت تحديدًا؟

برويز: في الواقع، كنا في حالة عزلة داخل منازلنا خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كوفيد-19 للحد من انتشار الفيروس الذي كان ينتقل من شخص إلى آخر. خلال تلك الفترة، شعرنا بالملل بسبب ابتعادنا عن أنشطتنا الاجتماعية. ولحسن الحظ، أنا عضو في الجمعية الأدبية الآسيوية التي يديرها صديقي ورئيسها المؤسس السيد مانوج كريشنان. وقد أتاحت لنا هذه الجمعية فرصة كتابة القصائد مباشرة على موقعها. فكتبت قصيدتي النثرية "القارب المحترق" على هذه المنصة المرموقة، وكانت هذه بداية تجربتي في الشعر باللغة الإنجليزية، ومنذ ذلك الحين لم أتوقف. وقد أصدرت مجموعة شعرية تضم 40 قصيدة نثرية بعنوان "القارب المحترق" في نوفمبر 2025، وهي متوفرة على موقع أمازون.


11- تغريد: هل ألهمتك تجربة الجائحة للتأمل بشكل أعمق واتباع أسلوب مختلف في الكتابة مقارنة بالسابق؟

برويز: نعم، بالتأكيد. كنا خائفين للغاية من هذا الفيروس القاتل، وكنا نشاهد يوميًا عبر التلفاز أعداد الوفيات المتزايدة. وكانت سيارات الإسعاف تجوب الشوارع بأصوات صفاراتها، مما زرع فينا خوفًا شديدًا من المرض. ويمكن ملاحظة هذا الخوف في شعر تلك الفترة. فقد كتبت قصيدة بعنوان "مخلوقات الليل المظلم" التي تعبّر عن المعاناة التي عشناها خلال تلك الأيام العصيبة. كما كتبت العديد من القصص للأطفال، لأنهم كانوا محرومين من اللعب والمرح، فحرصت على تقديم قصص يقرؤونها في منازلهم. لقد كانت تجربة غيّرت حياتي تمامًا. يا إلهي! لقد أُصيب بعض زملائي بالفيروس، وكنت أعمل معهم في نفس المكان. كان الأمر مرعبًا لي ولعائلتي، خاصة مع مشاهد الموت التي كانت تحيط بنا في مناطق سكننا ومكاتبنا في نيودلهي، الهند.


12- تغريد: لقد كتبتَ حتى الآن نحو 150 قصيدة باللغة الإنجليزية. كيف تصف هذه التجربة الجديدة في مسيرتك الأدبية؟

برويز: إنها تجربة رائعة للغاية. أشعر الآن أنني مواطن عالمي بالمعنى الحقيقي، لأن إبداعي لم يعد محصورًا ضمن حدود لغوية. لم أعد أواجه تلك الصراعات الصغيرة أو التكتلات التي كنت أواجهها في لغتي الأم. لقد خرجت من بئر ضيق إلى نهر أو بحر واسع، حيث الأفق رحب والسماء هي الحد. لم أعد أشعر بأي عائق بفضل تطور تكنولوجيا الإنترنت وكثرة التطبيقات والمواقع التي تتيح لي كتابة قصصي وقصائدي ومقالاتي ومشاركتها ونشرها في أي مكان في العالم. أنا سعيد جدًا بالتواصل مع العالم العربي من خلال الأدب. وقد تمكنت من قراءة الأساطير اليونانية بفضل اللغة الإنجليزية. وغالبًا ما أقول لأصدقائي إن جائحة كوفيد-19 كانت نعمة بالنسبة لي، لأنها وسّعت دائرة معارفي وأتاحت لي فرصة قراءة أعمالهم ومشاركة أعمالي معهم عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة.









إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology