بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
في عصرٍ لم تعد فيه الخصوصية غائبة بقدر ما أصبحت مُهمَلة، تقف وسائلُ التواصل الاجتماعي كمرآةٍ ضخمة تعكس ما نختار نحن أن نُظهره… لا ما نحن عليه بالضرورة. فبين صورةٍ مُتقنة، ومنشورٍ محسوب، وقصةٍ عابرة، تُبنى حكاياتٌ ناقصة، ويُظنّ أنها كاملة.
لم يعد الظهور هو المشكلة، بل الإفراط فيه. ولم تعد المشاركة عيبًا، بل غيابُ الوعي بحدودها. فليس كل ما يُعاش يصلح للنشر، ولا كل ما يُنشر يُشبه الحقيقة. هناك فرقٌ دقيق بين أن يُشارك الإنسان لحظةً جميلة، وبين أن يُحوّل حياته إلى عرضٍ مستمرٍّ على مسرحٍ مزدحم بالمتفرجين.
الرُّقي في هذا العالم الرقمي لا يعني الانسحاب، بل يعني الانتقاء. أن يُدرك الإنسان أن لكل صورةٍ ثمنًا، ولكل كلمةٍ أثرًا، وأن ما يُقال اليوم قد يُساء فهمه غدًا، وما يُنشر بدافع اللحظة قد يتحوّل إلى عبءٍ دائم. فالسوشيال ميديا لا تنسى، لكنها أيضًا لا تُنصف دائمًا.
إن تحويل الحياة إلى محتوى دائم يُفقدها جزءًا من معناها. فبعض اللحظات لا تزدهر إلا في صمتها، وبعض المشاعر تبهت حين تُعرض، وبعض العلاقات تفسد حين تُوضع تحت أعين الآخرين. ليس لأن العالم سيئ، بل لأنه واسعٌ إلى حدٍّ لا يُؤمَن معه سوء التأويل.
ومن الحكمة أن يُدرك الإنسان أن ما يُنشر لا يخصّه وحده، بل يصبح قابلًا للتفسير، والتعليق، وربما التدخل. فكل بابٍ يُفتح على الملأ، قد لا يُغلق بسهولة. وكل تفصيلةٍ تُروى، قد تُعاد صياغتها بعيونٍ لا ترى الحقيقة كاملة.
الرُّقي هنا أن يكون للإنسان وعيٌ خفيّ يقوده: ماذا يُقال؟ ومتى؟ ولمن؟ وأن يحتفظ بجوهر حياته بعيدًا عن الضجيج، فلا تتحوّل قيمته إلى عدد إعجابات، ولا تُقاس مشاعره بسرعة الانتشار. أن يكون حاضرًا… دون أن يكون مستهلكًا.
في زمنٍ يُكافئ الظهور، يصبح الاختفاء الجزئي فنًّا. وفي عالمٍ يُغري بالبوح، يصبح الصمت اختيارًا ناضجًا. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر… لأن ما لا يُنشر، غالبًا، هو الأصدق، والأبقى، والأعمق.
