بقلم د. مجدولين منصور
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وتضيق فيه المساحات بين السؤال والجواب، لم نعد ننتظر طويلًا لنجد من يصغي إلينا. بضغطة زر، يفتح لنا ChatGPT نافذةً من الكلمات، نبوح فيها بما نخفي، ونبحث من خلالها عن حلولٍ لمشكلاتنا، وكأننا وجدنا صديقًا لا يمل، وطبيبًا لا يتعب، ومرآةً تعكس أفكارنا دون حكمٍ أو انتقاد.
لكن… لماذا لجأنا إليه؟
ربما لأننا نعيش في عالمٍ مزدحم، حيث أصبح الوقت عملةً نادرة، والمشاعر أحيانًا مؤجلة. لم يعد من السهل أن نجد من ينصت بصدق، أو من يمنحنا انتباهه الكامل دون أن يشتته هاتف أو فكرة أخرى. هنا، يظهر الذكاء الاصطناعي كبديلٍ مريح؛ حاضر دائمًا، سريع الاستجابة، لا يتذمر، ولا يملّ من تكرار الأسئلة، ولا يرهقه ثقل المشاعر.
وقد يكون السبب أعمق من ذلك…
فالإنسان بطبعه يبحث عن الأمان، عن مساحةٍ آمنة يقول فيها ما يشاء دون خوفٍ من حكم الآخرين. ومع الذكاء الاصطناعي، يشعر البعض أنهم أحرار، بلا قلقٍ من نظرةٍ أو تعليقٍ جارح. هو مستمعٌ مثالي، حتى وإن لم يكن إنسانًا.
لكن السؤال الذي يطرق أبواب القلب قبل العقل:
هل سيغنينا ذلك عن الصديق؟ عن الأخ؟ عن الحبيب؟
الإجابة ليست بسيطة… لكنها تميل إلى الحقيقة الإنسانية: لا.
فالذكاء الاصطناعي، مهما تطوّر، يظل كلماتٍ بلا روح، وتحليلًا بلا قلب. لا يستطيع أن يربّت على كتفك حين تنكسر، ولا أن يشاركك ضحكةً حقيقية، ولا أن يشعر بك قبل أن تتكلم. هناك أشياء لا تُبرمج… كالعناق، والدمعة الصادقة، والحنين، ونبض القرب الإنساني.
نعم، قد يصبح الذكاء الاصطناعي مساعدًا رائعًا، ومستشارًا سريعًا، ورفيقًا في لحظات الوحدة… لكنه لن يكون بديلًا عن العلاقات التي تُبنى من نبض القلب، وتُروى بالتجارب والمواقف والذكريات.
الخطر لا يكمن في وجود التكنولوجيا… بل في أن نسمح لها أن تأخذ مكان الإنسان في حياتنا. أن نختصر مشاعرنا في شاشة، ونستبدل لقاءاتنا برسائل، ونقنع أنفسنا أن الدفء يمكن أن يُصنع من خوارزمية.
إن التوازن هو المفتاح…
أن نستخدم التكنولوجيا بوعي، دون أن نفقد إنسانيتنا.
أن نستفيد منها، دون أن نستسلم لها.
أن تبقى وسيلة… لا غاية.
وفي النهاية، سيبقى الإنسان بحاجة إلى إنسان…
إلى قلبٍ يفهمه دون شرح، إلى عينٍ تراه دون كلمات، إلى روحٍ تشبهه.
فالتكنولوجيا قد تضيء الطريق…
لكنها لن تكون أبدًا الطريق نفسه.
