لا ظلَّ للشمس




بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 


ليست المرأة هامشًا في حكاية الرجل، ولا صدىً يتردد بعد صوته، ولا ظلًا يمتد حيثما وقف.

هي أصلٌ قائم بذاته، كينونة كاملة الأهلية، خُلقت لتكون شريكة في عمارة الأرض، لا تابعة في مسيرتها. ومن يختزلها في دورٍ ثانوي، كمن يحاول أن يُقنع الشمس أن تكتفي بأن تكون انعكاسًا على جدار.

منذ البدء، حين خاطب الوحي الإنسان، لم يُفرّق في جوهر التكليف ولا في ميزان الجزاء. هناك، حيث تسقط كل الفوارق المصطنعة، ويصمت ضجيج الأعراف، ويعلو صوت الحقيقة، يُعاد تعريف القيمة:

ليست بما نُمنح من ألقاب، ولا بما نُحاط به من أدوار، بل بما نحمله في قلوبنا من إيمان، وما نترجمه في أفعالنا من صلاح.

وعدٌ إلهيّ يتجاوز الجسد والهوية الاجتماعية، ليصل إلى جوهر الإنسان: حياة طيبة، تُمنح لمن اختار الطريق، لا لمن وُلد فيه.

في هذا الميزان العادل، تتجلى المرأة كما أرادها الله: كيانًا حرًا، مسؤولًا، قادرًا على الصعود أو السقوط بإرادته وحدها.

تأملي تلك الملكة التي جلست على عرشٍ عظيم، تحيطها مظاهر القوة والهيبة، لكنها لم تدع العرش يخدع بصيرتها. كانت تملك كل أسباب الغرور، لكنها اختارت التواضع، وامتلكت شجاعة الاعتراف، فكان انتصارها الحقيقي على ذاتها قبل أي شيء آخر.

لم تنحنِ لملك، بل وقفت معه، كتفًا بكتف، لتتجه بانحنائها الوحيد نحو السماء.

هنا تتجلى الحرية في أبهى صورها: أن تختاري الخضوع للحق، لا الخضوع للبشر.

وفي قصرٍ آخر، أكثر صخبًا وسطوة، كانت امرأة تعيش في قلب الطغيان، لكنها لم تنتمِ إليه. لم يخدعها البريق، ولم تُغوها السلطة، بل رأت زيفها بوضوحٍ نادر.

طلبت النجاة لا من شخصٍ فحسب، بل من منظومة كاملة، من فكرٍ فاسد، من واقعٍ مُشوَّه.

لقد كانت حريتها داخلها، لا في محيطها؛ وكان إيمانها أقوى من كل القيود التي حاولت أن تُحاصرها.

وعلى النقيض، في بيوتٍ نزل فيها الوحي، وترددت فيها كلمات السماء صباح مساء، اختارت نفوسٌ أخرى طريقًا مختلفًا.

لم يُنقذ القرب من الصالحين، ولم تُجدِ النشأة في بيئةٍ نقية.

هنا، تتجلى الحقيقة الأكثر حسمًا: لا أحد يحمل عنكِ اختياركِ، ولا أحد يمنحكِ النجاة بالنيابة.

كل روحٍ تسير وحدها، وتُحاسب وحدها، وتصل أو تضلّ بقرارها.

إنها رسالة صافية، لا تقبل الالتباس:

أنتِ لستِ امتدادًا لأحد، ولا نتيجة حتمية لظروفكِ، بل أنتِ قراركِ.

لا تُبرري ضعفكِ بفساد العالم، ولا تُعلّقي نجاتكِ على صلاح غيركِ.

فالضوء خيار، كما أن العتمة خيار، وكلاهما يبدأ من الداخل.

القرآن لا يرسم المرأة كظل، بل كشمس.

شمسٌ قد تُشرق فتُحيي ما حولها، أو تنطفئ فيخبو أثرها.

وفي الحالتين، القرار قرارها.

وفي لحظة الحقيقة، حين يقف الإنسان أمام خالقه، تتلاشى كل الأدوار التي لعبها، وكل الأسماء التي حُمّلها، ويبقى شيء واحد فقط:

قلبٌ اختار، وعملٌ شهد على هذا الاختيار.

هناك، لا يُسأل: لمن كنتِ تابعة؟

بل: من كنتِ؟

ولا يُنظر: إلى من وقفتِ بجواره؟

بل: إلى أين اتجه قلبكِ؟

فكوني كما خُلقتِ:

أصلًا لا ظلًا…

ونورًا لا انعكاسًا…

وإنسانةً كاملة، تعرف أن قيمتها لا تُستمد من عيون الناس، بل من اتصالها بخالق الناس.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology