الثالثة بعد منتصف الليل

 


 بقلم  هيا برماوي

لا أدري لماذا يهرب النوم مني…

يكاد الأرق يقتلني.


أدرتُ مقبس الإنارة الخافتة بجانبي، ونظرت إلى الساعة؛ كانت تشير إلى الثالثة فجراً.


زفرت بضيق، ورفعت الغطاء إلى وجهي في محاولةٍ بائسة للنوم، لكنني شعرت بالاختناق تحته، فأبعدته سريعًا واعتدلت في فراشي.


نظرت حولي؛ أكواب القهوة متناثرة بجانبي. تناولت فنجاني الذي أعددته قبل ساعة، كان باردًا. ارتشفت رشفةً واحدة، ثم أطفأت الإنارة وعدت أحتضن نفسي بصمت.


بعد قرابة نصف ساعة… استطعت النوم.


لا أدري كم من الوقت نمت، لكنني أذكر جيدًا أنني رأيته.


كالعادة…


كان يمشي خلفي في طريقٍ مظلم.


التفتُّ خلفي، فالتقت عيناي بعينيه. ارتعشت أطرافي، وتجمد الدم في عروقي عندما رأيته؛ كان طويلًا بشكلٍ مبالغ فيه، عيناه مخيفتان، وملامحه مشوهة بالكامل.


ما إن نظرت إليه حتى بدأ يركض نحوي.


كان الشارع مرعبًا… إنارة خافتة من بعض المصابيح القديمة، لكنها انطفأت بالكامل عندما ركض خلفي.


ركضت، وأنفاسي تتقطع.

لا أدري إلى أين أذهب، ولا لماذا يلاحقني هذا الشخص.


كنت ألتفت خلفي تارة، وإلى الطريق أمامي تارة أخرى، وكان يقترب أكثر في كل مرة.


إلى أن التفتُّ ذات مرة… ولم أجده.


تنفست الصعداء، لكنني لم أتوقف عن الركض، إلى أن ارتطمت بشيءٍ أمامي وسقطت أرضًا.


رفعت رأسي ببطء…


فشُلَّت أطرافي بالكامل.


كان الشخص ذاته.


نهضت بسرعة محاوِلة الهرب، لكنه أمسك بقدمي وهو يضحك، بينما كنت أصرخ بجنون.


بدأ يجرني نحو نهرٍ قريب، وأنا أصرخ وأتوسل إليه، ثم دفعني فجأة إلى الماء.


شعرت بالماء البارد يغطي وجهي، فشهقت بقوة.

تجمد جسدي من شدة البرودة.


حاولت السباحة… حاولت رؤية ذلك الشخص، لكن الرؤية كانت مشوشة بالكامل.


كنت أسبح باتجاه اليابسة، لكن شيئًا ما سحبني من قدمي.


بدأت أتخبط تحت الماء محاوِلة النجاة، لكنني أدركت أنه لا سبيل للخروج.


فتحت عيني تحت الماء…


فوجدته أمامي مباشرة.


وجهه يقترب من وجهي، يبتسم بخبث.


صرخت صرخةً ظننتها النهاية…


لكنها كانت نهاية الكابوس.


شهقت ونهضت من سريري بفزع، فرأيت ملابسي وشعري مبللين.


تعوذت من الشيطان، وأنا أدرك جيدًا أنني لن أنجو من هذا الكابوس.


لقد تعبت من قلة النوم…

لم أعد أقوى على شيء.


نهضت وأعددت كوبًا من القهوة، ثم جلست قرب النافذة. لم أرغب بالعودة إلى السرير حتى لا يغلبني النوم.


قاومت كثيرًا…


ونظرت إلى الساعة.


كانت الثالثة والنصف فجراً.


هذا يعني أنني لم أنم سوى نصف ساعة.


بقيت أقاوم النعاس إلى أن غلبني النوم مجددًا…


وعدت إلى الدوامة ذاتها.


الكابوس…

الشخص…

النهر.


صارعت الغرق بكل ما أملك، إلى أن شهقت بقوة وعُدت إلى وعيي.


لم أعد أحتمل.


نهضت بسرعة، ارتديت معطفي، وخرجت من المنزل دون أن أدري إلى أين.


كانت الشوارع خالية تمامًا.


إنارة خافتة تسمح لي بالكاد برؤية ما أمامي، ورياح تعصف بالمكان، وصوت أوراق الأشجار اليابسة يزيد الرعب من حولي.


احتضنت نفسي من شدة البرد، لكن برودة الشارع كانت أهون من العودة إلى المنزل والغرق في كوابيسي.


فجأة…


سمعت صوت خطوات خلفي.


انقبض قلبي.


توقفت قليلًا، ثم استدرت ببطء، لكنني لم أجد أحدًا.


تابعت طريقي، فسمعت خطواتٍ مجددًا، تلاها صوت تمتمات غير مفهومة.


توقفت مرة أخرى…

ولا أحد هناك.


ثم سمعت صوتًا خافتًا ينادي باسمي.


تجمد الدم في عروقي.


التفتُّ ببطء…


فتيبست أطرافي عندما رأيته يقف خلفي.


الشخص ذاته.

المكان ذاته.

والتوقيت ذاته.


ابتسم لي ابتسامةً كانت كفيلة بإيقاف قلبي.


لم أعد أقوى على الحركة.


وكما توقعت…


ركض نحوي.


بدأت أركض بكل ما أوتيت من قوة، وأنفاسي تكاد تنقطع، حتى وجدت نفسي أمام النهر.


جثوت على ركبتي عندما شعرت بألمٍ حاد في صدري.


التفتُّ حولي…


لكنه اختفى.


كيف ذلك؟


لقد رأيته كما أراه في كوابيسي منذ سنتين، لم يتغير شيء؛ لا ملامحه، ولا المكان.


لكنني كنت أعلم أن النهاية ستحدث كما تحدث دائمًا.


نهضت أبحث عنه بعيني المرتجفتين…


وفجأة وجدته أمام وجهي مباشرة.


صرخت صرخةً جعلته يتراجع للحظة، كأنه طيف، لكنه عاد بسرعة ووجّه ضربةً قوية إلى صدري.


شعرت بأن عظامي قد تحطمت.


صرخت، لكن صوتي اختنق في حنجرتي.


أمسك بقدمي وبدأ يجرني كطيرٍ جريح لا حول له ولا قوة.


ثم ألقى بي داخل النهر.


شعرت بالماء يبتلعني ببطء…


حاولت الصراخ، لكن صوتي اختفى تحت الماء.


كانت يده ما تزال تمسك بقدمي، تسحبني نحو الأعماق.


أغمضت عينيّ مستسلمة…


ثم—


شهقت بقوة ونهضت من سريري.


أنفاسي متسارعة، وقلبي يكاد يخرج من صدري.


نظرت حولي بارتباك…


غرفتي.

سريري.

الظلام ذاته.


تنفست الصعداء أخيرًا، وظننت أن الأمر انتهى.


لكن…


عندما أنزلت قدمي إلى الأرض، شعرت بالماء البارد يلامس أصابعي.


نظرت للأسفل ببطء…


كانت أرض غرفتي مغمورة بالماء.


تجمد الدم في عروقي…


ثم وقعت عيناي على آثار أقدامٍ مبتلة تقود إلى خارج الغرفة.


ولم أجرؤ حتى على الالتفات خلفي عندما سمعت صوته يهمس:


“هذه المرة… لن تستيقظي..

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology