قراءة في قصة " امرأة بحجم الأحلام قصة " للكاتب محمد الحفري

 


عزيزة المبارك ـ سوريا

الأستاذ محمد الحفري قاص وروائي ومسرحي سوري من مواليد درعا عضو اتحاد الكتاب العرب في سورية، والأديب الكبير له العديد من الروايات والمسرحيات التي تتناول قضايا إنسانية واجتماعية بأسلوب أدبي رفيع، منها قصة "هذيان.امرأة بحجم الأحلام" التي سنتناول دراستها  في مقالنا هذا.

شرح عام للنص:

"هذيان. امرأة بحجم الأحلام " تعد نصاً وجدانياً غنياً ورومانسياً، يدور حول لحظة اعتراف وبوح صادق، حيث يعيد بطلها الدفتر لامرأة يعتبرها تجسيداً لكل أحلامه وتصوراته، ويعكس النص حالة من الانبهار بوقار هذه المرأة وهدوئها وقدرتها على التأثير العميق في وجدانه، ويصفها كيف تجتاح كيانه بمجرد قراءتها للكلمات بصوت هادئ مما يرمز إلى سطوة حضورها الروحي الطاغي في وجدانه، لذلك يصفها بأنها "امرأة بحجم الأحلام"مما يدل على أنها المرأة الحلم بالنسبة له، وهو يرفعها من مرتبة الواقع إلى مرتبة المثال والنموذج الذي انتظره طويلا حتى أضناه الصبر، كما يشير النص إلى معاناة الرجل مع المصائب التي شيبته وإلى  غدر الزمان الذي شبهه بالذئب.

 يبرز النص أيضاً لحظة الحقيقة وسقوط الأقنعة حيث أن كلمة "سفر" كانت بمثابة الصدمة التي هزت كيان السارد، فبعد ساعات طويلة من التظاهر بالتماسك وإخفاء حقيقة مشاعره تهاوت كل تلك "الأقنعة"في لحظة واحدة مما يدل على عمق الارتباط العاطفي الذي كان يحاول إنكاره والصراع مع الواقع والمصير، كما نلاحظ لوعة الأسئلة والارتباك التي تظهر حالة من الذعر والضياع من خلال الأسئلة المتلاحقة القلقة عن سفرها وهذا بدوره يظهر لنا كمية التعلق العاطفي الكبيرة بها.

 في المقابل تبدو لنا لغة الواقع والمنطق التي تتحدث فيها المرأة، فهي تعد نفسها في إجازة وقد انتهت وعليها العودة لحياتها، وتذكر الكاتب بأنهم لا يعرفون بعضهم إلا من مدة قصيرة، أما الرجل فيتحدث بلغة الوجدان، فهو يرفض منطق الزمن القصير، ويرى أنها مقيمة في داخله وأن وجودها في حياته ممتد إلى جذور تاريخية تخطت عمراً "منذ أن كانت جنيناً", فالكاتب يقوم بتصوير حالة التماهي الروحي المطلق وأن لقاءه بها حدث قبل وجود الأجساد وليس وليد المصادفة بل لقاء"أزلي” وكأن علاقتهم رابط روحاني عندما وصفها "الحبل السري" وهو تشبيه قوي على أنها مصدر حياته وكيانه.

في النهاية يشير الكاتب إلى الاعتراف بأنه يكتب عمن يحب، ليثبت لنفسه قبل الآخرين أنه لم يفشل في الوصول، وأنه يكتب ليجعل ذكراهم عصية على النسيان، وهذا ما أحببت تسميته بالتوثيق العاطفي من خلال الكلمات.

الخصائص الفنية للقصة:

اللغة الوجدانية: استخدام الكاتب لغة فصيحة جزلة غنية بالصور البيانية والاستعارات القوية ليظهر عمق المشاعر مثل "البحر والأمواج" كرمز عن الحيرة وعدم الاستقرار، و"الوشم" رمز يدل على أثرها الذي لا يمحى، وكذلك"الاقتلاع" كرمز لوصف ألم رحيلها وكأنه جزء منه.

كذلك استخدم المفردات العاطفية القوية مثل "تجتاح كياني، أضناه الصبر، أصابب منك مقتلا" كدلالة إلى شدة إبراز التأثر واستخدم المحسنات البديعة والتشابيه البليغة كقوله"امرأة بحجم الأحلام" حيث أخرج المرأة من حيز التجسيد المادي إلى حيز الخيال والمثالية ورفعها من مجرد امرأة إلى تجسيد لكل ما يطمح إليه الكاتب من نقاء وعظمة.

الصورة الشعرية:

رسم الكاتب الكبير محمد الحفري صورة المرأة وهي تردد كلمة "الله" مع كل توقف مما يضفي صبغة من الروحانية والقدسية والسكنية على مشهد القراءة، وكلمة "هذيان" تدل على حالة من اللاوعي والتدفق العاطفي الحر وهذا يجعل النص منتمياً إلى تيار الوعي حيث تختلط المشاعر بالصورة الذهنية.

كما نلاحظ استخدام الكاتب أسلوب التناقض الوجداني "المفارقة" حيث تتضح ثنائية "الألم والسكينة" من خلال تعبيره عن المعاناة القاسية والظروف الصعبة.

أيضاً استخدام الكاتب حاسة السمع لخلق تباين جمالي، وعلى الرغم من المرارة هناك صوت يبعث على الهدوء والسكينة كقوله "المرارة تجتاح كياني" و "بصوت موسيقي هادئ".

الكاتب وبكل براعة وظف التشخيص بشكل دعم النص، وأضفى عليه صفات بشرية أعطت للمعنى وقعاً رقيقاً مثل: "أضناه الصبر" فقد شخص الصبر وكأنه كائن حي يتعب وهذا يعمق الشعور بمرارة مدة الانتظار والمعاناة.

نرى الإيقاع الروحاني واللغوي في النص في قوله "مرددة كلمة الله مع كل توقف" والتي صبغت العبارات بلمسة من القدسية والروحانية وتحولت القراءة من فعل مادي إلى حالة من التعبد والمناجاة الروحية.

لاحظت أيضاً استعمال الكاتب للأفعال المضارعة "تجتاح" تقرأين، يعتقد" وهذا ما منح النص حيوية واستمرارية وجعلنا نحن القراء شركاء في الحدث اللحظي.

تعامل الكاتب مع المخاض والولادة في قوله"خرجت من ضلوعي، من قلبي" كاستعارة يعبر بها أنها متصلة بروحه وفكره وأنها كانت حلماً سكن وجدانه قبل أن يتحقق في الواقع، كما يشير النص إلى رهبة الكتابة فالمشاعر التي يكنها لتلك المرأة أعظم من أن توصف بالكلمات، فهي "الجوفاء" كما يقول أمام عظمة هذا الحب الذي برأيه لا حدود له لأنه "يطاول النجوم".

الأسلوب الإبداعي والفني:

مزج الكاتب بين أسلوب السرد والاعتراف مستخدماً ضمير المتكلم لتقريب المسافة بين القارئ ومشاعر البطل الحزينة، والمفعمة بالأمل في آن واحد. 

كما استخدم تعبيرات بلاغية قوية دعمت أسلوبه مثل قوله "حزنك الباهي" لوصف الحزن وصبغه بصبغة الجمال مما رمز إلى نبل المشاعر.

أيضاً نلاحظ أسلوب السقوط المعنوي والانهيار النفسي عند سماع خبر الرحيل في قوله "هوى قلبي".

نرى أيضاً مدى شفافية مشاعر الكاتب من خلال وصف ضعف الإنسان أمام لحظات الوداع حيث تنهار كل الدفاعات النفسية "الأقنعة" أمام حقيقة غياب من نحب.

خاتمة:

"هذيان. امرأة بحجم الأحلام" يعد نصاً وجدانياً غنياً بالدلالات الرمزية والصور الجمالية والفنية التي رأيتها من خلال قراءتي للنص، وهي برأيي تعكس حالة من الصراع الداخلي والشوق، فقد بدأ بتقديم الدفتر كوعاء للذكريات و الآلام، ثم انتقل لوصف الكلمات مما ولد تصعيداً درامياً للنص ووصف حالة الحب من طرف واحد يرى أن لا قيمة للوقت في قياس المشاعر، بينما الطرف الآخر يبقى متمسكاً بالحدود الزمنية والالتزامات الواقعية.

النص ليس مجرد كلمات عابرة برأيي، بل هو تعبير عن عمق الارتباط العاطفي والنفسي والوجداني الذي يتجاوز الزمان والمكان، وأن الحب هو الرابط الحقيقي، والكتابة عنه هي محاولة لتخليد لواعج القلب في احتواء مدى قوته، والكتابة توثيق لفعل البقاء، واللغة قد تعجز عن وصف قدسية المشاعر، وفي النهاية نقول إن الكاتب أعلن توثيقاً إبداعياً لافتاً في التوصيف والتوظيف، فجاء النص متكاملاً تجتمع فكرته مع البهاء.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology