بقلم الناقد الأديب الدكتور حسن علي الفقعاوي
تتبدّى قصيدة الشاعر هشام عودة بوصفها نصًا يتجاوز حدود التعبير الانفعالي المباشر إلى فضاء رمزي كثيف، حيث تتداخل فيه البنية النفسية بالتمثّل الميثولوجي، ويتحوّل المكان—القدس—من جغرافيا إلى كينونة وجودية ذات بعد كوني. إننا بإزاء نص يستدعي، على نحو ما أشار إليه كارل يونغ، "اللاوعي الجمعي" بما يحمله من رموز أولية (Archetypes)، حيث تغدو القدس archetype الخلاص والاختبار معًا.
منذ الاستهلال: "القدس أول ما تناثر من شعاع الشمس فوق جباهنا"، يستحضر الشاعر صورة الخلق الأولى، وكأن القدس هنا هي لحظة التكوين البدئي، أو ما يسميه ميرتشا إلياده بـ"الزمن المقدّس" الذي يعيد الإنسان إلى أصل الأشياء. إن تناثر الضوء على "الجباه" يحيل إلى قدسية الإنسان ذاته، بوصفه حاملًا للأثر الإلهي، فيتماهى المكان مع الإنسان في وحدة أنطولوجية عميقة.
ثم ينتقل النص إلى مستوى الاختبار: "وهي اختبار النار في وضح النهار"، حيث تتجلّى ثنائية الطهارة والعذاب، النار هنا ليست فقط أداة فناء، بل أداة تطهير، كما في الأساطير القديمة، حيث تمرّ الكائنات عبر النار لتبلغ صفاءها. هذه الصورة تتقاطع مع ما ذهب إليه أرسطو في مفهوم "التطهير" (Catharsis)، إذ يتحول الألم إلى وسيلة للسمو الروحي.
في قوله: "القدس بوصلة الهداية للسماء"، نلحظ تحوّل القدس إلى مركز كوني، أشبه بـ"محور العالم" (Axis Mundi)، وهو المفهوم الذي تكرر في دراسات إلياده، حيث تمثل الأماكن المقدسة نقطة اتصال بين الأرض والسماء. فالقدس ليست فقط مكانًا، بل هي اتجاه، دلالة، وغاية روحية.
ويستمر الشاعر في تفكيك الزمن الإنساني عبر قوله: "لغة الطفولة والكهولة"، حيث تتلاشى الحدود الزمنية، وتصبح القدس لغة مشتركة لكل مراحل الوجود. وهنا يمكن استحضار رؤية ميخائيل باختين حول "الكرونوتوب"، حيث يتداخل الزمان والمكان في وحدة دلالية، فيغدو النص فضاءً تتجاور فيه الأزمنة لا تتعاقب.
أما الصورة الأكثر مأساوية فتتجلى في: "وتسيّج الأقصى بنهر من دماء"، حيث يبلغ التوتر النفسي ذروته، ويتحوّل المقدس إلى مسرح للتضحية. إن هذه الصورة تعيدنا إلى البنية التراجيدية التي تحدث عنها فريدريك نيتشه، حيث تتصارع قوى الحياة والموت، ويولد الجمال من رحم الألم. فالدم هنا ليس فقط علامة فناء، بل علامة حضور كثيف للمعنى.
ويبلغ النص ذروته الرمزية في قوله: "وهي احتفال الأرض بالناجين من سحب الضلال ومن كهوف الأشقياء"، حيث يستعيد الشاعر ثنائية النور/الظلام، وهي من أقدم الثنائيات الميثولوجية. "كهوف الأشقياء" تحيل بوضوح إلى استعارة أفلاطون في "أسطورة الكهف"، حيث يعيش الإنسان في ظلال الوهم، ولا يبلغ الحقيقة إلا بالخروج إلى النور. وهنا تصبح القدس فضاء الخروج، فضاء الانعتاق من الوهم.
في المقطع الأخير: "وهي الصباح يعيد للطرقات بهجتها..."، تنفتح القصيدة على أفق رجائي، حيث يتحول الألم إلى وعد، والدم إلى نهار. إن هذا التحول يعكس ما أشار إليه ت. س. إليوت في رؤيته للشعر بوصفه "تحويلًا للتجربة الشخصية إلى معادل موضوعي"، حيث لا يبقى الألم ذاتيًا، بل يصبح بنية جمالية قابلة للتأويل.
أسلوبيًا، يعتمد الشاعر على لغة مكثفة ذات طابع إشاري، تتكئ على الصورة أكثر من السرد، وتستثمر التكرار (القدسُ...) بوصفه لازمة إيقاعية ودلالية تؤسس لهيمنة المركز (القدس) على فضاء النص. كما أن الانزياح اللغوي حاضر بقوة، حيث تتجاوز الكلمات معانيها المعجمية لتؤسس شبكة رمزية متعددة الطبقات.
نفسيًا، يمكن قراءة النص بوصفه تعبيرًا عن "الذات الجريحة" التي تبحث عن خلاصها عبر التماهي مع المقدس، فالقدس هنا ليست فقط قضية خارجية، بل هي مرآة للذات، جرحها، وأملها. وهذا ما ينسجم مع الطرح التحليلي الذي يرى في الإبداع تفريغًا رمزيًا لصراعات داخلية.
في المحصلة، ينجح هشام عودة في بناء نص شعري يتجاوز المباشرة السياسية إلى أفق رمزي وإنساني واسع، حيث تتقاطع الميثولوجيا مع النفس، والتاريخ مع الحلم، في بنية شعرية تشتغل على استنطاق المقدس بوصفه أفقًا للخلاص وامتحانًا للوجود في آن.
نص الشاعر هشام عودة
القدسُ أولُ ما تناثرَ"
من شعاعِ الشمسِ
فوق جباهِنا
وهي اختبارُ النارِ
في وضَحِ النهارْ
القدسُ بوصلةُ الهدايةِ للسماءْ
لغةُ الطفولةِ
والكهولةِ
حين ينتشرُ النداءْ
القدسُ تختصرُ العواصمَ كلّها
في لحظةٍ
وتسيّجُ الأقصى بنهرٍ من دماءْ
وهي احتفالُ الأرضِ بالناجين
من سُحُبِ الضلالِ
ومن كهوفِ الأشقياءْ
وهي الصباحُ
يعيدُ للطرقاتِ بهجَتَها
ويحملُها إلى الجدرانِ
ما لَبِثَ الزمانُ هنا
حروفاً من كتابِ الرعدِ
في صلواتها
