بقلم هيا برماوي ..
..
خرجتُ من قريتنا في الرابعة عصرًا، دون وجهةٍ محددة. كنتُ أرغب فقط في الهروب قليلًا من ضجيج الأيام، والترفيه عن نفسي.
ركبتُ سيارتي، وانطلقتُ أعبر الطريق المعبد الممتد بين الحقول والأشجار التي كانت تملأ أطرافه جمالًا وطمأنينة.
وبينما كنتُ أتابع طريقي، مررتُ بجانب طريقٍ رملي ضيق لفت انتباهي بشدة، رغم أنني تجاوزته بمسافة قصيرة. ترددتُ للحظة، ثم عدتُ إليه على الفور، وكأن شيئًا خفيًا كان يدعوني للدخول.
كان الطريق في غاية الجمال؛ الأشجار تحيط به من الجانبين، ورائحة الزهور تفوح في المكان بعذوبة آسرة. أوقفتُ سيارتي وترجلتُ منها، فقد رغبتُ في اكتشاف ذلك المكان سيرًا على الأقدام.
بدأتُ أتعمق أكثر في ذلك الطريق الذي لم أره من قبل، رغم أنه لا يبتعد كثيرًا عن قريتنا. وبعد قرابة نصف ساعة من المشي، ظهرت أمامي بوابة كبيرة، تكشف ما خلفها بوضوح.
وما إن وقع بصري على ما في الداخل، حتى شعرتُ وكأنني دخلتُ قطعةً من الجنة. لم أرَ في حياتي قرية بهذا الجمال.
وبجانب البوابة، كانت هناك لافتة كُتب عليها:
“قرية العشاق”
شدني الاسم كثيرًا، فدفعتُ البوابة ودخلت.
رأيتُ العجب العجاب؛ عشاقٌ يسيرون في طرقات القرية حاملين الورود، وآخرون يجلسون على المقاعد يتبادلون الضحكات والنظرات، وبعضهم يركض بفرح خلف الآخر كالأطفال.
لم أستطع وصف جمال ما كنتُ أراه. كنتُ أبتسم رغماً عني كلما وقعت عيناي على عاشقين.
لكنني، فجأة، نظرتُ عن يميني وعن شمالي… ولم أجد أحدًا بجانبي.
كنتُ وحدي…
وحيدًا في قريةٍ لا مكان فيها إلا للعشاق.
لا يوجد فيها عاشق بلا عاشقة، ولا قلب يسير وحيدًا.
شعرتُ بحرارة الدموع تتجمع في عيني. فأنا لم أعرف يومًا معنى الحب الحقيقي، ولم أختبر ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان حيًا من الداخل. لم أذق حلاوة الحب، ولا حتى مرارته.
لكن لماذا؟
لماذا أنا وحدي، من بين ملايين البشر، لم أحظَ يومًا بقلبٍ يحبني؟
أليست حتى مرارة الحب جميلة حين تكون صادقة؟
في تلك اللحظة، أدركتُ أن ما ينقص حياتي لم يكن المال، ولا النجاح، ولا الأشياء التي كنا نظنها مهمة…
بل الحب.
فالحب وحده قادر على تحويل حياة الإنسان من جحيمٍ بارد إلى جنةٍ دافئة.
لكن… لماذا أصبح الحب في أيامنا عملةً نادرة؟
ولماذا بتنا نخاف المشاعر الصادقة وكأنها ضعف؟
غادرتُ “قرية العشاق” عند الغروب، لكن شيئًا مني بقي هناك…
بقي واقفًا عند تلك البوابة، ينتظر حبًا لم يأتِ بعد ..
