بقلم : رولا علي سلوم
عندما يفوح عبق التاريخ والفن والأسطورة، ويجول في مسارب نفوسنا، حاملاً معه رموزه الجميلة فاعلم أنه عبق قلم الأديبة المبدعة " ريم محمد " ..
تستوحي الكاتبة " ريم محمد" عنوان قصتها " سبع ليالٍ " من رمز دينيّ معروف في القرآن الكريم، ألا وهو خلق الله الكون في سبعة أيام، ثم استواؤه على العرش في اليوم السابع، حيث اكتمل كل شيء، وتحقق ما أراده الله تعالى من تعليم عباده الرفق والتثبت في الأمور .
لكنّ الكاتبة تقارب المعنى بسبع ليالٍ وليس بسبعة أيام .. فما قصة سبع ليال لدى الكاتبة ؟؟ وإلى أين ستصل في نهاية المطاف ؟؟
نقرأ النص وفق المنهج الدلالي الرمزي، وتبدو عناصره واضحة من خلال الزمان ليلاً، والمكان حيث المقبرة، ثم الشخصية الرئيسة في القصة شخصية الساردة، أو الكاتبة، أما الأحداث؛ فهي كثيرة في النص .
تُقرّ الساردة أنها تعشق الاختلاف، والاختلاف دليل الحيوية والتجدد، تتخذ الساردة ثلاثة خيارات، الأول؛ هو النوم ليومين متعاقبين، والثاني؛ التزام الصمت مدة شهر كامل، وتنفذ الساردة هذين الاختيارين ببراعة وإتقان.
أما الاختيار الثالث فهو ألا تنام مطلقاً لسبع ليالٍ متتالية، وهنا الصعوبة ..
لكن؛ لماذا اختارت الساردة النوم تحديداً بين خياراتها ؟؟ هل لأنّ النوم رمز الكسل والخنوع والجهل والاستسلام والضعف .. ؟؟!!وهي لا تريد أن تكون كلّ ماسبق ؟؟ لكنها تتساءل : كيف ستقاوم التعب والنعاس ؟؟ والنوم سلطانٌ للمتعبين كما نعرف ..!! ولأنّ الساردة مختلفة بطبعها وليس عندها أصدقاء، ولاتحبّ الثرثرة، فقد استطاعت اجتياز الليلة الأولى، حيث استرسلت بأفكارها عن الليل، الليل؛ هذا العالم الممتد الواسع العميق بظلامه ودماسة لونه الأسود الحالك، وما أكثر الأفكار المستوحاة من الليل !! ألم يقل الشاعر : ( وسكون الليل للشعراء وحيٌ .. تنّزل من سماوات الوجوم ) ؟؟ .. وحبها للّيل يومئ أنها شاعرة من طرازٍ رفيع، فالليل صديق الشعراء الأول . وكذلك اجتازت الليلة الثانية بسلاسة أيضاً، عندما قرأت الكثير من القصص السوداوية التي منعتها من النوم، كما قلبّت الساعة الرملية مراراً، تلك الساعة التي تحتاج وقتاً طويلاً كي تمتلئ من جهة وتفرغ من جهة أخرى.. إضافة إلى شرب العديد من فناجين القهوة التي تنبّه الأعصاب وتطرد النوم عن العيون .. ومع طلوع الفجر وسماع مقطوعة لموزات التي تتسم بالمرح والقوة، كانت الساردة أكثر تفاؤلاً وسعادةً .
في الليلة الثالثة شعرت الساردة بالتعب و وجع العينين والرأس، فلكلّ إنسان طاقة للتحّمل، لذا اختارت الساردة ما يجعلها أكثر قلقاً، وهو السير نحو المقبرة، ثم الجلوس على حجر صغير بجانب مدفنٍ لطفلٍ حيث تكفّلت الأفكار بغزو ذاكرتها من كلّ الاتجاهات .. الساردة ذكية تعرف كيف تختار أموراً تقضّ مضجع نومها أو نعاسها، ومدفن طفلٍ كفيلٌ أن يثير عشرات الأسئلة عن كيفية وفاته ولماذا ؟؟ وهذا جعلها تقلق وتضطرب خوفاً، وتبعد - بالتالي - النوم عن عينيها . هكذا مرّت الليالي الخمس، في اليوم الأخير ظهرت البومة البيضاء، والبومة عند العرب رمز الشؤم والخراب، بينما عند الغرب رمز الحكمة والتعقل، استطاعت البومة البيضاء بنظرتها القاسية أن تجلد جسد الساردة المتعب من غير رحمة أو شفقة، وكلّ ما تفعله الساردة أنها كانت تستمع بإذعانٍ، بينما البومة تقسو وتقسو، إلى أن رفرفت بجناحيها نحو السروة الكبيرة في آخر المقبرة، فأصيبت الساردة بالإغماء، وانتثرت الكلمات الليلية على فراغ أبيض، قد يكون الفجر حيث الصفاء وبداية النهار، انتصرت البومة بسوادها، بينما حلقّت الساردة إلى الأعالي مع تلك البومة، حلّقت بحكمتها وتأنيها وتعقلها، حيث الحكمة في مكانٍ سام ٍ لا يصل إليه سوى قلة من الناس.
لقد صنعت الكاتبة سبع ليالٍ لنفسها، واستوت في اليوم الأخير مع كلماتها في مكان عال، مع الحكمة التي رمزت إليها بالبومة .
وإذا عدنا إلى رموز النص، سنجد الكثير المعبّر منها، فرمز رفض النوم، هو رفض للجهل، ثم اختيار العنوان " سبع ليال" وما يرمز إليه العدد سبعة من كمال عند العرب، ومن ثم الليل؛ رمز الوحي والإلهام، ثم المقبرة؛ رمز التجدد والحياة، ثم مدفن الطفل؛ رمز الولادة من جديد، ثم البومة؛ رمز الحكمة والتعقل، ثم الكلمات الليلية المنتثرة؛ رمز الإبداع والكمال والأصالة، أليست الكلمة هي البداية ؟ " في البدء كانت الكلمة "، ثم السروة؛ رمز الخضرة وديمومة الحياة والشموخ والقوة والثبات والرسوخ، ثم البومة؛ رمز الحكمة، ومقطوعة موزارت؛ رمز المرح والقوة والتحدي والاستمرار، أما الساعة الرملية؛ فهي رمز الانتظار وأهمية الوقت، والليل؛ رمز الوحي والإلهام، والصمت وعدم الثرثرة؛ رمز للحِلم، بينما عشق الاختلاف؛ رمز للحيوية والتجدد والجمال، فالضدّ يُظهِر حسنَه الضدُ ..
لقد وظفّت الكاتبة " ريم محمد" تلك الرموز الموحية ببراعة وإتقان، وبجماليةٍ لاحدود لها، أوحت لنا من خلالها بعض صفات الساردة /الكاتبة، الجميلة في هذه الحياة .
