حين تُكرم نفسك… تُزهر الحياة..

 


بقلم : د. تهاني رفعت بشارات


في زحمة هذا العالم، يعتاد الإنسان أن يوزّع نفسه على الجميع، كشمعةٍ تحترق لتمنح الآخرين الضوء، حتى إذا التفت إلى قلبه وجده رماداً بارداً يطلب قليلًا من الرحمة. نمضي أعمارنا نهتم بكل من حولنا؛ نُربّت على أكتاف المتعبين، نمنح الوقت لمن نحب، نُجيد الإصغاء لآلام الآخرين، لكننا  في غفلةٍ قاسية  ننسى أن لنا روحاً تستحق الحنان أيضاً. ننسى أن داخل كل واحدٍ منا طفلاً صغيراً ينتظر كلمة طيبة، وكتفاً آمناً، وهدنةً قصيرة من معارك الحياة.


أكرم نفسك… فالنفس التي لا تُكرَّم تذبل بصمت، كزهرة تُركت طويلاً بلا ماء. أكرمها بما تسمع، فلا تجعل أذنيك مقبرةً للكلمات السامة، ولا تسمح للضجيج أن يسرق سلامك الداخلي. ليست كل الأصوات تستحق أن تسكن روحك؛ فهناك كلمات تُطفئ القلب كما تُطفئ الريح شمعةً وحيدة في عتمة الليل، وهناك كلمات تُعيد للحياة نبضها، كالمطر حين يلامس أرضاً عطشى منذ زمن.


أكرم نفسك بما ترى… فالعين بوابة الروح، وما يدخلها يستقرّ في الأعماق. لا تُرهق قلبك بمشاهد القسوة والخذلان، ولا تُطِل الوقوف أمام كل ما يُحزنك ويكسر طمأنينتك. اقترب من الأشياء التي تُشبه الضوء؛ من الوجوه التي تمنحك السلام، من الطرق التي تُشعرك أنك حيّ، من الأماكن التي حين تدخلها يتنفّس قلبك بعمق كأنه عاد إلى بيته بعد غياب طويل.


وأكرم نفسك بما تحب… لأن الإنسان حين يحرم نفسه من حقّها في الفرح، يتحوّل إلى آلة تؤدي واجباتها بصمتٍ ثقيل. افعل ما تحب دون شعورٍ بالذنب، اقرأ ما يُشبه روحك، استمع لما يربّت على قلبك، امشِ في الطرق التي تمنحك اتساعاً داخلياً، وابتعد عن كل ما يستنزفك حتى لو كان قريباً منك. فليست البطولة أن تبقى في مكان يؤذيك، ولا الوفاء أن تخسر نفسك كي يربح الجميع.


إن أثمن ما تملكه ليس المال، ولا المناصب، ولا التصفيق العابر… أثمن ما تملكه هو وقتك. الوقت قطعة من عمرك، وكل دقيقة تمنحها لشيء أو لشخص، أنت تمنحه جزءاً من حياتك لن يعود أبداً. لذلك لا تُهدر عمرك في علاقاتٍ باردة، ولا في أماكن تُطفئك، ولا مع أشخاص يجعلونك تشعر أنك عبءٌ على الحياة. أعطِ وقتك لمن يراك نعمة، لمن يُصغي إليك بمحبة، لمن يراك في أسوأ حالاتك ويبقى.


كم مرةً ضحّينا بأنفسنا خوفاً من أن يُقال عنا أنانيون؟ وكم مرةً تنازلنا عن حقّنا في الراحة والحب والطمأنينة حتى أصبحنا غرباء عن ذواتنا؟ نحن بارعون في الاعتناء بالآخرين، لكننا غالباً نفشل في الاعتناء بأنفسنا. نخاف أن نختار أنفسنا، كأن حب الذات جريمة، مع أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب الحقيقي وهو فارغ من الداخل.


اختر نفسك دائماً… ليس تكبّراً ولا قسوة، بل نجاة. اختر نفسك كما يختار الغريق الهواء، وكما تختار الطيور أعشاشها قبل حلول العاصفة. كن أنانياً في حبّ نفسك بالقدر الذي يحميك من الانكسار، لا بالقدر الذي يؤذي الآخرين. فالحياة ليست سباقاً  في التضحية، وليست بطولةً أن تُطفئ روحك لتُنير حياة الجميع.


تعلم أن تقول: "هذا يؤذيني"، دون خوف. تعلم أن تبتعد حين تصبح المسافة ضرورة للسلام، وأن تُغلق الأبواب التي تدخل منها الخيبات إلى قلبك كل يوم. فليس كل بقاء وفاء، وليس كل رحيل خيانة. أحياناً يكون الرحيل عن كل ما يستنزفك أعظم درجات الوفاء لنفسك.


الحياة قصيرة بصورةٍ موجعة… أقصر من أن نقضيها ونحن نحاول إرضاء الجميع على حساب أرواحنا. وفي النهاية، لن يبقى معك إلا نفسك؛ تلك الروح التي أهملتها طويلاً وهي تنتظر منك التفاتة حب. فكن لها الوطن حين تضيع، والملجأ حين تتعب، والصوت الذي يقول لها دائماً : "أنت تستحق السلام".


أكرم نفسك… لأنك لست عابراً في هذه الحياة، بل روحٌ خلقها الله لتعيش بكرامة، لا لتذبل تحت أقدام الآخرين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology