بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة
لم يعد الطلاق في زمننا مجرد قرار انفصال بين شخصين فشلت بينهما الحياة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى مشهد أكثر قسوة وتعقيدًا… مشهد تُغلق فيه الأبواب على قلوب صغيرة، وتُفتح فيه أبواب الصراع على مصراعيها. لم تعد الحكاية تنتهي عند توقيع ورقة، بل تبدأ بعدها فصول أخرى من حرب صامتة، وقودها الأطفال، ونتيجتها جيل مثقل بجراح لا تُرى.
في عمق هذا المشهد، يقف الطفل في المنتصف… لا هو قادر على الانحياز الكامل، ولا هو مسموح له بالحياد. يُسحب من يده اليمنى إلى رواية، ومن اليسرى إلى رواية أخرى، حتى يفقد مع الوقت قدرته على التمييز بين الحقيقة والتلقين. يُطلب منه أن يحب طرفًا على حساب الآخر، أو أن يختار بين قلبين، وكأن الحب يمكن أن يُقسّم أو يُساوَم عليه. وهنا، لا يخسر الأبوان فقط، بل يخسر الطفل ذاته.
الخطير في الأمر ليس الطلاق ذاته، فبعض العلاقات يكون إنهاؤها أرحم من استمرارها، لكن الكارثة تبدأ حين يتحول الانفصال إلى ساحة تصفية حسابات. حين يُستخدم الطفل كورقة ضغط، أو كوسيلة انتقام، أو حتى كجاسوس صغير ينقل الأخبار. في هذه اللحظة، يفقد الكبار بوصلتهم الأخلاقية، ويتحوّل الطفل من إنسان يحتاج إلى الحماية، إلى أداة تُستنزف في معركة لا تخصه.
لكن السؤال الأهم: لماذا ارتفعت معدلات الطلاق بهذا الشكل؟ ولماذا أصبحت العلاقات أكثر هشاشة؟
الإجابة ليست واحدة، بل شبكة معقدة من الأسباب المتداخلة.
أولها التربية الأسرية، حيث ينشأ كثيرون دون تعلم حقيقي لفن إدارة الخلاف. لم يتعلموا كيف يتحاورون، كيف يختلفون دون أن يهدموا، أو كيف يتحملون المسؤولية العاطفية. فيكبرون وهم يحملون تصورات مثالية عن الزواج، تصطدم سريعًا بواقع مختلف، فينهار البناء عند أول اختبار.
ثم تأتي ثقافة الاستهلاك العاطفي، حيث أصبح البعض يتعامل مع العلاقات كما يتعامل مع الأشياء: إذا لم تعد مريحة، يتم استبدالها. لم يعد الصبر فضيلة، ولا الإصلاح خيارًا أوليًا، بل صار الانفصال حلًا سريعًا للهروب من التعقيد.
ولا يمكن تجاهل دور الإعلام والدراما، التي قدمت في كثير من الأحيان صورة مشوهة عن العلاقات. إما علاقات مثالية خيالية لا تشبه الواقع، أو صراعات حادة تُختزل في الخيانة والانتقام. هذا الطرح السطحي خلق توقعات غير واقعية، وساهم في تأجيج فكرة أن الطلاق هو النهاية الطبيعية لأي خلاف، دون إبراز كلفة هذا القرار، خاصة على الأطفال.
كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا خطيرًا في تضخيم المقارنات. كل شخص يرى حياة الآخرين في أفضل صورها، فيشعر أن حياته أقل، أو أن شريكه لا يرقى لتلك النماذج المعروضة. ومع غياب الوعي، تتحول هذه المقارنات إلى وقود للضيق وعدم الرضا، ومن ثم إلى خلافات قد تنتهي بالانفصال.
ولا نغفل أيضًا الضغوط الاقتصادية، التي أنهكت الكثير من البيوت، فصار التوتر ضيفًا دائمًا، وأصبح الصبر أقصر، والانفجار أقرب.
وسط كل هذه الأسباب، يبقى الطفل هو الحلقة الأضعف… والأكثر تأثرًا. طفل يفقد إحساسه بالأمان، ويكبر وهو يشك في معنى الأسرة، ويخاف من تكرار التجربة. قد يبدو طبيعيًا من الخارج، لكنه في الداخل يحمل أسئلة بلا إجابات، وجروحًا بلا صوت.
إن أخطر ما في الطلاق ليس الانفصال ذاته، بل الطريقة التي يُدار بها. فهناك طلاق ناضج يحفظ ما تبقى من إنسانية، ويضع مصلحة الطفل أولًا… وهناك طلاق يتحول إلى حرب، لا ينتصر فيها أحد.
في النهاية، نحن لا نحتاج فقط إلى قوانين تنظم العلاقات، بل إلى وعي يعيد تعريفها. نحتاج إلى تربية تعلم أبناءنا أن الحب مسؤولية، وأن الخلاف ليس نهاية، وأن الرحيل—إن كان لا بد منه فيجب أن يتم بأقل قدر من الخسائر… لا أن يتحول إلى معركة يُدفع ثمنها من قلوب لم تختر أن تكون في ساحة القتال.
