الذكرى الثانية لوفاة أبن القصور خميس الخياطي تحت شعار ذاكرة السينما التونسية التى لا تغيب

 


محجوب الكريشي أستاذ تنشيط ثقافي و باحث في العلوم الثقافية تونس



أبن القصور خميس الخياطي… ذاكرة السينما التونسية التي لا تغيب

محجوب الكريشي أستاذ تنشيط ثقافي و باحث في العلوم الثقافية تونس


في مثل هذه الأيام، تستعيد الساحة الثقافية التونسية والعربية ذكرى رحيل الناقد السينمائي الكبير خميس الخياطي، أحد أبرز الأصوات الفكرية التي كرّست حياتها للدفاع عن السينما والثقافة والصورة الحرة. ومع إحياء الذكرى الثانية لوفاته، لا يعود الحديث عن الرجل مجرد استذكار لمسيرة ناقد، بل هو استحضار لذاكرة كاملة من الشغف والمعرفة والنضال الثقافي.

وُلد خميس الخياطي بمدينة القصور من ولاية الكاف، تلك المدينة التي تختزن تاريخًا عريقًا وتراثًا ثقافيًا ثريًا، فحمل منذ شبابه حسًّا إنسانيًا عميقًا ووعيًا مبكرًا بقيمة الفن ودوره في تشكيل الوعي المجتمعي. ومن هناك بدأت رحلته الطويلة مع الفكر والثقافة، قبل أن يتحول إلى أحد أهم الأسماء في النقد السينمائي العربي.

لم يكن الخياطي ناقدًا تقليديًا يكتفي بمشاهدة الأفلام وتحليلها، بل كان صاحب مشروع فكري وثقافي متكامل. آمن بأن السينما ليست ترفًا بصريًا، وإنما مرآة للمجتمع، وفضاء لطرح الأسئلة الكبرى حول الحرية والهوية والعدالة والإنسان. لذلك جاءت كتاباته عميقة، جريئة، ومشبعة بحسّ فلسفي واجتماعي واضح.

ارتبط اسم الراحل بالحركة السينمائية التونسية، وخاصة بمهرجان أيام قرطاج السينمائية الذي واكب مسيرته منذ عقود. وكان من بين الأصوات التي دافعت عن سينما عربية مختلفة، سينما تنحاز للإنسان وتقاوم الاستهلاك والسطحية. كما ساهم من خلال مقالاته وبرامجه وندواته في تكوين أجيال كاملة من عشاق السينما والباحثين في الفن السابع.

تميّز خميس الخياطي بثقافته الواسعة وانفتاحه على التجارب العالمية، لكنه ظل وفيًا للسينما العربية وقضاياها. كتب عن السينما المصرية والتونسية والفلسطينية، واهتم بتحليل صورة الإنسان العربي في الشاشة، مؤمنًا بأن الفن الحقيقي قادر على مقاومة النسيان والتهميش.

ورغم رحيله، ما تزال كتبه ومقالاته تشكل مرجعًا مهمًا للباحثين والنقاد والطلبة، لأنها لم تكن مجرد نصوص نقدية، بل شهادات فكرية على مرحلة كاملة من تطور السينما العربية. لقد ترك الرجل أثرًا لا يمحى في المشهد الثقافي، وبقي اسمه مرتبطًا بالنزاهة الفكرية والجرأة في الرأي والوفاء للفن.

إن إحياء الذكرى الثانية لوفاة خميس الخياطي ليس مناسبة للحزن فقط، بل فرصة للاعتراف بقيمة المثقف الحقيقي الذي عاش مدافعًا عن الجمال والمعرفة وحرية التعبير. فالأسماء الكبيرة لا ترحل تمامًا، لأنها تبقى حيّة في الكتب، وفي الذاكرة، وفي كل صورة تحمل معنى إنسانيًا عميقًا.

رحم الله خميس الخياطي، الناقد الذي أحب السينما حتى جعل منها قضية حياة، وترك للأجيال إرثًا ثقافيًا سيظل شاهدًا على مكانته الكبيرة في تاريخ النقد السينمائي التونسي والعربي. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology