بقلم وافي الشيخ خليل
من بلادٍ بعيدةٍ أقبل الفتى
تاركاً وراء ظهرهِ حياةً بأكملها
وأحلاماً كادَ أن يفوز بها
لولا أنّه لم يغادر
ماذا بعد ؟..
يتنهّد الفتى عشراتِ المرّاتِ في اليوم
قائلاً واليأس يُطبِق على نَفَسِهِ
آهٍ لو كان المرء يعلم...
ظنّ الفتى أنّه سيحظى بأشياءٍ تُسعدُه
غدٌ أعدّ لهُ من التّعب ما استطاع
حياةً اشتهى أن يعيشها
حلمٌ كان يريد صَقلَهُ وتطويره
أفكارٌ بسيطةٌ..
مثل خطوةٍ صغيرةٍ
يصعدُ بها نحو الآمال الشّاهقة
لكن كيف يحصلُ المرءُ على سعادتِه
في وطنٍ تجرّع الحزن خمسة عشر عاماً..
في وطنٍ أصبحت فيه الأترَاحُ
عادةً لا تقبل التّبديل
في وطنٍ هَرِمَ أبناؤه
و هُم في أَوجِ الشّباب
اقتادَتهُم تعاسة الحُلم وخيبات الأمل المستمرّة
إلى الهَلاوِسِ المضلّلة والعزلة التّامّة
حيث الركن الّذي تتوقّف فيه الحياة..
ينطفئ فيه النّور
ثمّ يخرجُ منه الإنسان ذئباً
قال الفتى يصف أرضه الجديدة :
كلّ شيءٍ ميتٌ و لا حياةَ هنا
لا حياةَ هنا..
بل أرضٌ قاحلةٌ وذئابٌ ..
ذئابٌ جائعةٌ في كلّ مكانٍ
يترَصّدُونَ فرائِسهُم بحذرٍ شديدٍ
وينتَظرون لحظةَ الإنقضاضِ عليهم .
لم يكن الذّئب ذئباً من قَبل
كان يحلم بحياتَه المُشتَهاة
لكنّ عبء الحُلم ومنالَه البعيد
أبعده عن إنسانيته
وأختار له ذلك الطّريق المّوحِش
أن ينهش لحم أخيه
وأن يملأ معدتَه بأشلاءِ الحالمينَ الجُدد
مثلي تماماً
أستئنف الفتى أيضاً :
[كنت أبحث عن حياةٍ لي
لكنّني سرعانَ ما أضعتُ نفسي
و وجدتُها تركض وسط العرَاءِ
والذّئاب المفترسةُ تطاردها]
حلمت بالحياة
وأردت أن أعيش مبتسما فحسب
هذا ما أردتّه ..
أن ابتسم بعفويّةٍ دون أكراه أوجهد
أن آخذ حقّي بارتشاف قهوة الصّباح
وسماع صوت العصافير
مع من أُحب...
لماذا يجب أن أنسلخ إلى ذئبٍ
مقابل هذه الحياة البسيطة ؟
هذا ما كنت أبحث عنه
الإحساس بمتعة الأشياء الصّغيرة
[ لكنّ الأرض الجديدة ،
لم تكن ذاتها الّتي كنت أتصوّرها ].
[ من الواضح أنّ هذه الأرض
لم تكتفِ من دفن أبنائها ]
ستحجُّر قلوبهم
ثمّ ستجعلهم ذئاب
ودّ الفتى أن يعتذر لنفسه
عن الخطيئة الكبيرة ( العودة)
عن الكذبة المخادعة الّتي صدّقها
عن تذمّره وشكواه المستمرّة تجاه الذّئاب
عن الكآبة والقلق الّذي ألحق به
عن ندمه المضنيٍّ
وعن وجهةٍ خاطئةٍ سلكها القلب
حينما حزم حقائبه
واتّخذ الشّام موطناً
بدلاً من البلاد البعيدة ..
الشّام الّتي لم ينَم يوماً
إلّا وكانت حاضرةً في ذهنه
الشَّام الَّتي كَانَ يُدَاعِب وَجْههَا
بكلمات الحنين والحبّ
الشّام الّتي أَنشَدَ لها
تَبَاهى بيَاسَمِينُهَا الفوّاح
سطّر كلماته عن تراثها
عَنْ روعتها وَ رَوْنَقها
عَنْ أَزِقَّتِهَا التَّارِيخِيَّة
عَنْ أَسْوَاقِهَا الْعَرِيقَة
وَعَنْ قَاسِيُونَهَا الشَّامِخ
الشام التي ألذمته على السهر ليالٍ طويلةٍ
إمّا ليكتب عنها
أو ليحدّثها عن ضرَاوة شوقه
الشَّام الَّتي انْتَظَرَهَا لِسَنَوَات
لكي يعود باستقبالٍ حارٍّ
يَلِيقُ بِشَقَاء هِجْرَتِه
وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَحَملِ الشَّوْق
الآن يمدُّ لها يده
فتبصق مُشمئزّة
وتأبى أن تلتقطها .
هَكَذَا بَدَأَتْ حَيَاة الْفَتَى هُنا
آمالٌ وحلمٌ صغيرٌ كان يريد صقله وتلميعه
ثمّ أرضٌ تجبّرت ورفضت أن تمدّ له يد العون
ثمّ فريسةٌ وذئابٌ جائعةٌ تطارده
ثمّ يأسٌ وخيبةٌ وحزنٌ
ثمّ وِحدةٌ وليلٌ طويلٌ وقلقٌ..
قلقٌ، تنفجر منه أسئلةٌ حادّة
تجره لخوض معركةً حامية الوطيس
ذات يوم..
حدثني الفتى عن قلقه ذاكَ فقال:
يكابدني ذلك الوحش في كلّ ليلةٍ
يغرس مخالبه الحادّة في صدري
يموج في رأسي
يتأرجح في أحشائي ساخراً
ويُشغلني بأسئلة ليس لها حلٌّ
أسئلة تتشابه مع الأسئلة الوجوديّة
مثل ..
كيف يخرج المرء نحو الحياة
والذّئاب الجائعة تترصّده ؟
إنّ الحياة هنا
كمن يضرم النّار وسط بركة ماءٍ
كيف سأضرم النّار في بركة ماءٍ ؟
كيف تُطلق الذّخيرة دون دافعٍ لها؟
هل يستطيع المرء أن يضحك في منتصف الحزن ؟
هل يستطيع المشي في ظلامٍ دامسٍ ؟
كيف آتِي بالقوت الّذي يشبع الذّئاب ؟
كيف يحمل الإنسان حياةً
لاطاقة له عليها ؟
إنّ الجفاف في كلّ مكانٍ...
كيف يتوارى المرء عن الجفاف؟
ذات ليلة..
أمتعض الفتى مخاطبا قلقه
كما لو أنّه مرئيٌّ أمامه ..
"أيّها القلق اللّعين
لو لم تكن شبحاً
"لصوّبت السّلاح في منتصف رأسك
و أرديتك قتيلاً
"اخرج من أحشائي وواجهني أيّها الجبان
وفي منتصف الصّراع..
توسّل الفتى إلى اللّه :
يا إلهي يا ربّ الأرض الجديدة
و ربّ كلّ شيءٍ
لا أريد التّخلي عن إنسانيّتي
لا أريد أن أكون وليمةً لذئبٍ جائعٍ
ولا أريد أن يقطنني الذّئب
أيّها الرّبّ الرّحيم ..
إنّ الجفاف في كلّ مكانٍ
فامطر رحمتك على هذه الأرض ..
ولا تُهلكني بما فعل الأوغاد منّا
يا اللّه ، أيّها الرّبّ الكريم...
سببٌ بسيطٌ لو تمنحني إيّاه
لأهجر مخاوفي
أقطع شباك الحيرة والقلق
ألقي من نفسي الخيبة والصّدمة
وأخرج نحو العالم
أيها الرّبّ الرّؤوف
انتشل هذه الجثّة من خندق القلق
و اعطها سبباً لتحيا من جديدٍ
إن لم يكن سبباً
فنصف سببٍ يا اللّه
نصف سببٍ يكفيني
لأفعل مايجب عليّ فعله
فخذ بيدي يا اللّه...خذ بيدي،
ولاتتركني للأشباح والذّئاب الجائعة
وقد حدّثني الفتى..
عن ليلةٍ قال أنّها جديرةٌ بالذّكر
"مرّةً بعد منتصف ليلةٍ
كان القلق سائداً عليّ
ينهش من لحم جثّتي
كانت أمنيتي ذلك الوقت هي النّوم
النّوم ... هذا جلَّ ما أريده
لكنني لن أستطيع النّوم حينذاك ..
وكانت تلك الأسئلة الثّقيلة
عالقةٌ في رأسي..
كيف ينجو المرء بينما يذرف الدّماء ،
هل يستطيع المرء أن يخوض
معركةً بيدٍ واحدةٍ ؟
كيف يتغلّب على قطعان الذّئاب
بينما هو شخصٌ واحدٌ ؟
كيف يحبّ دون أن يحدث شيئاً
يدعوه إلى الحبّ ؟
كيف يغرس وردةً في صحراءٍ
يجب أن أعود من حيث أتيت
لكن كيف سأخرج من الهاويةٍ ؟
كمٌّ هائلٌ من تلك الأسئلة
الّتي لاجواب لها
انهالت فوق رأسي
"النّصف الآخر من الكوب"
"وسيكون كلّ شيءٍ على مايرام"
هكذا قال له رفيقه
عندما سمعه يصرخ من هول أسئلته
في اللحظة التي بلغ فيها الأمر منتهاه
ولم يبقى في القوس منزع
لمواجهة ذلك الصخب في رأسه
(حين سمع تلك العبارة )
حدّث نفسه بلكنةٍ خائبةٍ
لو أنّ الأمر بهذه البساطة
لو أنّ هنالك كأساً نصفه فارغٌ
ونصفه الآخر ممتلئ
لكنّه اليقين..
هذا السّمّ القاتل
هذا الجحيم الواقعيّ
الّذي يحجب عنك الأسباب كلّها.
لم يتمكن الفتى من
إسكات قطعان الذّئاب
الّتي تعوي في الخارج
ولم يعرف الفتى كيف يبتسم
ضمن هذه البقعة من الأرض
مرارا وتكرارا..
كان يقول لماذا سيبتسم المرء
بينما يشاهد حياته كفلمٍ ،
يعلم في الوقت ذاته
أنّ خاتمته ستكون مأساويّةً
من بلادٍ بعيدةٍ أتى الفتى ليقول متأسفا :
يركض المرء لأنّ هنالك
شيئاً ما ينتظره
ولكنني لم أجد هنا مايستحقّ
أن أركض لأجله
فِي تِلْكَ اللَّيْلَة ..
عجز الْفَتَى عَلَى أَرَقَّه وَرُقَادِه
فنَهَضَ مِنْ فِرَاشِه
لِيُوَارِي نَفْسَهُ عَنْ قَلِقَة الْمُسْتَقْبِلِي
لَمْ يَجِدْ حِينَهَا مَكَانٌ يَأْوِي إلَيْه
صَعِدَ إلَى سَطْحِ مَنْزِلِهِم
كَانَ الطَّقْس مُعْتَدِلًا
وَكَانَتْ الرِّيحُ عَلِيلِه
جَلَس يُتَأَمَّل التِّلَال الْمُحِيطَة بِبَلْدَتِه
عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ...
تَذَكَّرَ بِلَادِه الْبَعِيدَة (هَاتَاي)
حَيْثُ الْجِبَال الشَّاهِقَة
الَّتِي تُحِيطُ بِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
عَادَ بِهِ الْحُنَيْن
نَحْوِ تِلْكَ الْبِلَاد
أَغْمَض عَيْنَاه مُتَأَمِّلًا
تَضَارِيس الْأَرْض الْمُفْعَمَة بِاللَّوْنِ الْأَخْضر
الْقُلُوبُ النَّقِيَّة الَّتِي عَرَّفَهَا فِي هَاتَاي
الْإِنْسَانِيَّةِ الْفَائِضَة الَّتِي دَفَقْت فِي قَلْبِهِ
وَالْأَيَادِي الْبَيْضَاءُ الَّتِي امْتَدَّتْ لَه
هَاتَاي الَّتِي احْتَضَنَتْه عَشَر سَنَوَات
دُونَ أَنْ تَضْجَرْ مِنْهُ
هَاتَاي الْمُلَّاكِ الَّذِي
كَانَ يَرْبَت عَلَى كَتِفِه
أَثْنَاء حُزْنُه وَكَابته
تُبْسَطُ رُوعِتها وَسِحْرَهَا إمَامِه
فَتُعَانِق رُوحِه
وَتُسَكَّن الْأَمَه
يُحَدِّق فِي وَجْهِهَا الْيَوْمِ
كَمَا لَوْ أَنَّهَا فَقَيَّدَه وَأَرَاهَا الثَّرَى
حِينَ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَتِهِ
أَحَسّ بِوَحْدَة مَرْوَعه
تَقْسُو عَلَى نَفْسِهِ
تَذَكَّر عِبَارَتُه الشَّهِيرَة
"أَوْجَد نَفْسَك أَيْن مَاؤُجد الْجَمَّالِ
وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الَّتِي كَانَ يَسِيرُ وَفْقِهَا
عِنْدَمَا تَحَاصره الْوَحْدَةُ فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ
وَيَسْجُنَه الْفَرَاغ
أَرَادَ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْجَمَّال
كَوَسِيلَة لِلتَّخَلُّصِ مِنْ عَبِيّ مَشَاعِرَه
لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ الْجَدِيدَةِ
مِنْ الْجَمَالِ شَيْئًا
أَدَار وَجْهَهُ نَحْوَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ
مَرَّةً أُخْرَى اقْتَاده الْحُنَيْن إلَيْهَا
راوده بغتةً سؤالٌ تعجيزيٌّ آخر
كَيْفَ سَاحَصل عَلَى تَأْشِيرَة ؟
أَغْمَض عَيْنَاه بَأْسَ
ثُمَّ خَرَّ عَلَى الْأَرْضِ بَاكِيًا
نَهَض يَنْفُضْ أَحْزَانُه و حَسْرَتُه
وبِسُرْعَة اسْتَدَارَ إلَى الْوَرَاء...
ورَكَض يَسْتَأْنِف صِرَاعِه مَع الْقَلَق
فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ هَذِه الْكَلِمَاتِ...
مِنْ بِلَادِ بَعِيدَة أَقْبَل الْفَتَى.....
