بقلم الدكتوره رانيا بدر عبيدات
في زوايا مجتمعاتنا، لا تزال تسكن خلف الأبواب أشباحٌ من مخلفات الجهل، تُطِلُّ برأسها كلما سنحت لها الفرصة لتنفث سمومها في تفاصيل الحياة اليومية، حتى البسيط منها. ولعلّ إطلاق مسميات هابطة، مثل وصم سلع بسيطة كـ "البزر" بربطها بوضع اجتماعي لامرأة "مُطلَّقة"، ليس مجرد فلتة لسان أو دعابة عابرة، بل هو مِرآة تعكس فصامًا فكريًا ونقصًا حادًا في المروءة والدين.
أولًا: الميزان الإلهي مقابل الميزان البشري المشوّه
إنّ هذا السلوك لا يُصنَّف إلا في خانة "قلة الدين والأدب معًا". فالقرآن الكريم حين شرّع الطلاق، سمّاه سَرَاحًا جميلًا، وجعل للمرأة كرامتها مصونة سواء كانت في حبال رجل أو اختارت المضيّ في طريقها وحدها.
قال الله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}
فمن أين يستقي هؤلاء الجرأة على تحويل تشتت العائلات أو انفصال الأرواح إلى مادة للتهكم والوصم؟ الدين ليس لِحىً تُطلق، ولا جِباهًا تُختم، بل هو "خُلُق"؛ ومن لم يمنعه دينه عن خَدْش كرامة امرأة لم تَرْتَكِبْ ذنبًا سوى أنها لم تجد استقرارها في منظومة زوجية، فهو أبعد ما يكون عن جوهر الإيمان.
ثانيًا: وهم الأفضلية الزوجية
إنّ الرابطة الزوجية هي ميثاق غليظ، لكنها ليست صكّ غفران يُطهّر النفس من العيوب، ولا هي شهادة حُسن سيرة وسلوك تُمنح للمرأة بمجرد توقيع عقد القِران.
الأدب خيار شخصي: المرأة المتزوجة ليست بالضرورة أكثر أدبًا، والمطلقة ليست بلا أهل أو ناقصة رَادع.
الأصل والتربية: الأدب ينبع من عمق التربية، ومعدن النفس، والبيئة التي نشأ فيها الإنسان.
حقيقة الوصم: كم من امرأة تحت ظل زوج تفتقر لأبسط مبادئ الحياء والقول الحسن، وكم من امرأة مَشت في دروب الحياة وحدها (مطلقة أو أرملة) فكانت مدرسة في العفة، والأنفة، وتربية الأجيال.
ثالثًا: في دلالة اللفظ الساخر
إنّ إطلاق هذه المسميات الساخرة يعري حقيقة أولئك الذين يلفظونها؛ فهو يكشف عن:
عقد نقص دفينة: محاولة استعلاء وهمية يشعر بها البعض بمجرد أنهم في وضع اجتماعي مستقر (ظاهريًا).
فراغ قيمي وفكري: حين يعجز المرء عن إثبات تميزه بأخلاقه أو إنجازاته، يلجأ إلى الحطّ من شأن الآخرين ليشعُر بالرفعة.
إنّ المرأة، أيًّا كان موقعها الاجتماعي — عزباء، متزوجة، مطلقة، أو أرملة — هي كائن مُكرَّم بذاته، لا برجل يُضاف إلى اسمها أو يُحذف منه. واللسان الذي لا يتقن سوى اللمز والغمز في أعراض الناس ووجعهم، هو لسان يحتاج إلى طهارة الكلمة قبل أي شيء.
فلنترفع بألسنتنا عن هذه الدناءات اللفظية، ولنعلم أن بيوت الناس أسرار، وأن كرامة النساء خط أحمر لا يعبث به إلا سفيه، ولا يحترمه ويصونه إلا ابن أصولٍ كريم ،
