العناوين مفاتيح سحرية

  


 بقلم  رولا علي سلوم

المتشابهون.. عنوان لرواية  الأديب المصري " أحمد طايل"؛ وهو عنوانٌ يحمل  شيئاً من الغرابة، لأنّنا في الوقت الذي نفكّر فيه بكيفية أن نكون متميّزين مختلفين في عصر التكنولوجيا والحداثة، يأتي عنوان الرواية" المتشابهون" ليجعلنا نفكّر منذ القراءة الأولى والبدء بها بماهية العنوان والهدف منه.. ولاتتبّدى ماهية العنوان حتى ينتهي القارئ من قراءة الرواية والقبض على خيوطها الكثيرة المتشعبة بيدٍ واحدة، نعم لقد جعلنا الأديب " أحمد طايل" نتوه في أحداث الرواية وتفصيلاتها، ونعيش مع شخصياتها بكلّ حيويتها وألقها، لنخلص في النهاية إلى الفكرة الهادفة التي أرادها الكاتب عبر سرديته المحبوكة بعنايةٍ ودقةٍ، وهي أنّنا نحن ـ البشرـ متشابهون كثيراً، وقد استطاع من خلال روايته أن يصوّر  طبيعة المجتمع المصريّ وعاداته وتقاليده من خلال العائلة والقرية والأعراس والاجتماعات، كما استطاع أيضاً في الآن ذاته نقل أحاسيسه الخاصة، وكيف يفكّر..؟ وماذا يحبّ.. ؟ من خلال علاقته بزوجته وأولاده وأصدقائه، كلّ ذلك وفق هندسةٍ بنائيةٍ جميلة للرواية، جاءت منسجمةً مع بعضها، بلغةٍ جميلةٍ راقية، فيها من الجذب والتشويق الكثير..  

ونحن في أوج مانعيشه من حداثة وحضارةٍ وذكاء اصطناعيّ وتميّز وإبداع، نبحثُ في النهاية عمّن نرتاح بصحبته، وعمّن يخفّفُ عنّا أعباء الحياة، وعندما لانجد فقد نلجأ إلى طبيبٍ نفسيّ ليكون بديلاً، فكيف إن كان هناك مَن يُشبهنا ويفهمنا في هذه الحياة؟؟!! 

عنوان يسير عكس التيار، ليخلق إشكالية وجودية، يعود بنا إلى الماضي البعيد من خلال منصوص قصير" يخلق من الشبه أربعين" هذا المثل الشعبيّ البعيد في الذاكرة للآباء والأجداد، وقد ورد ذكره في كثير من الأبيات الشعرية، كقول الشاعر السهروردي: 

( فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إنّ التشبّه بالكرامِ فلاحُ)

 هي ذي دعوةٌ من

 الشاعر للناس أن يتخلّقوا ويتشبّهوا بصفات الكرام، حتى لو لم يصلوا إلى صفاتهم ودرجاتهم في السمّو، لكنْ كونهم شبيهين بهم فهو فلاحٌ ونجاحٌ لهم في الحياة.

وفي المثل الشعبيّ يُقال أيضاً: " مَن شابهَ أباهُ فما ظلمَ" والشبَهُ هنا بمعنى القدوة والامتثال لصفات الأب، فالابن سرّ أبيه، يُشبهه ويقلّده ويقتدي به أيضاً.

إذاً؛ ما الذي قصده الكاتب من هذا العنوان" المتشابهون" ؟؟ وقد خصّصه الكاتب ب أل التعريف التي منحته خصوصيةً وتعريفاً أكثر لماهية الأشخاص المتشابهين معنا. هل الناس متشابهون حقاً؟؟!! هم متشابهون في الأفكار والطباع والعادات والتقاليد وفي الحاسّة السادسة أيضاً، وإن كانت لكلّ منهم بصمته الخاصة، وموّرثاته التي ورثها عن سابع جدّ." كلّ قرينٍ بقرينه أسعدُ" هذا ماعبّر عنه الكاتب" أحمد طايل" من خلال العبارة المتداولة" يخلق من الشبه أربعين"، ولكلّ منّا مَن يُشبهه سواء أكان بالشكل أم بالروح أم بالفكر والطباع، لذلك يبحثُ كلٌ منّا عن المتشابهين معه ليأنسَ بهم.. كانت الزوجة ونيساً لبطل الرواية، وكان أبناؤه وأصدقاؤه وبناته كذلك..

 الرواية تحملُ رؤىً خلّاقةً تجعل من الإنسانيّة بين البشر قاسماً مشتركاً، بعيداً عن الجنس والدين واللّون، تلك التي تصبغ البشر بطابعها، وتجعلها منقسمةً بعنصريةٍ بغيضةٍ. الكاتب يركّز على فكرة التشابه بين البشر، ليس في الشكل، بل؛ في الأفكار والأرواح والرؤى.. إنّه يرتقي بروايته" المتشابهون" ليقول لنا: كلنّا بشر من طينةٍ واحدة، وكُلٌ منّا له وليفه وشبيهه في الحياة، ينسجم معه ويتوافق وصفاته.. مهما اختلفنا في أدياننا أو ألوان بشرتنا أو عاداتنا وتقاليدنا أو جغرافيتنا ..لكنّنا نحمل أفكاراً متشابهة، وأحلاماً ربما متشابهة، ولذلك نسعى لنجد أشباهنا، من أجل أن نعيش براحةٍ وسكينةٍ وهدوءٍ، هي دعوةٌ لاستمرارية الحياة برقيّ وحضارة، فكرةٌ عميقةٌ حملتها الرواية بين طيّات صفحاتها..

أمّا البنية اللغوية في الرواية، والذائقة الجمالية فيها، فالكاتب صاحب نفَس طويل، والأحداث تتوالى تِباعاً من غير توقف، حتى تشكّل أمام أعيننا مشاهد غنية لما تحمله بين طيّاتها من أحداثٍ وأفعال تكاد لاتُعدّ ولاتُحصى.. وكلّ ذلك بلغةٍ عربيةٍ سليمةٍ تماماً، خالية من الأخطاء والهنات.

هذا التواتر في استدعاء الأفعال والأحداث يأتي سلساً عفوياً من غير تصنّع أو تكلّف، ودليل ذلك انجذاب القارئ واستزادته أكثر وأكثر للقراءة، إضافةً إلى تلك اللغة الراقية البعيدة عن الابتذال والسفاهة لدى حديثه عن علاقة الحبّ أو الجنس، إذ إنّها تأتي حييّةً متعزّزة برقيّ وجمال. 

أمّا عن الذائقة الجمالية، فإنّها انعكاسٌ لروح الكاتب كما أظنّ، وعلى سبيل المثال، اختياره حضور حفلة لأم كلثوم هو وزوجته، ثم تناولهما العشاء على نهر النيل. جماليات يُصدّرها الكاتب في روايته بأسلوب عطرٍ شفيف تعكسُ جمالية روحه ورونقها الراقيّ. 

اللغة مطواعة بين يديه، ولّادة للمفردات والعبارات، غنيّة بالأساليب اللغوية التي تخدم المعنى من استفهام وتعجب وطلب، يبوح بما يجول في أعماقه وكأنّه يجلس مع القارئ في جلسةٍ وديّة فيها الكثير من البوح والدماثة..


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology