التقدّمُ المُتَراجِع



 أحسن معريش

يقولونَ: إنّا نحوَ قممِنا نسيرْ، 

فالحَديدُ أقوى اليومَ، والضوءُ مُنيرْ. ناطحاتُ السحابِ تعانقُ السَّماءْ،

 والدروبُ تمتدُّ فوقَ الأرضِ والماءِ.

***

يقولونَ: عرفنا ما جَهِلَهُ الأوَّلونْ،

 واكتشفنا خفايا الكونِ والفصولْ. 

نُحادثُ البعيدَ بلا سفرٍ ولا عناءْ، 

ونقيسُ المجرّاتِ ونبلغُ الفضاءْ.

***

لكنْ، في مرآةِ التاريخِ والزمنْ، 

يبقى سؤالٌ حائرٌ في قلبِ الوطنْ: 

هل تقدَّمَ الإنسانُ في أعماقِ الكيانْ،

 أم دارَ في دائرةٍ بلا عنوانْ؟

***

فالتقدُّمُ أحيانًا كنهرٍ مُندفِعْ، 

يبتعدُ عن منبعِهِ وهو لا يَرجِعْ.

 كلما جرى بعيدًا نحوَ بحرِ السرابْ،

 فقدَ عذوبةَ الماءِ وصفوَ الشَّبابْ.

***

لدينا من محرّكاتِ الريحِ ما يفوقْ، 

لكنْ هل تعلَّمنا كيفَ نحيا ونذوقْ؟

 لدينا من وسائلِ الوصلِ ألفُ جسرْ، 

لكنْ هل محونا بينَ القلوبِ الهجرْ؟

***

لدينا من دواءِ الجسدِ ما يُشفي العليلْ، لكنْ هل نُداوي جرحَ روحٍ مستطيلْ؟

 لدينا من العلومِ ما يملأُ الأزمانْ،

 لكنْ هل بقينا نُصغي لصوتِ الوجدانْ؟

***

الطفلُ يُخاطبُ الأرضَ عبرَ الشاشاتْ، ويعرفُ الأفلاكَ والنجومَ البعيداتْ. 

يجوبُ العالمَ الرقميَّ في ثوانْ، 

ويجهلُ أحيانًا اسمَ جارهِ أو المكانْ.

***

والشيخُ كانَ يروي للأحفادِ الحكاياتْ،

 تحتَ شجرةِ الذكرى وعطرِ الأمنياتْ. واليومَ تضيعُ الأصواتُ وسطَ الضجيجْ، كأنها لحنٌ تاهَ في مهبِّ الريحْ.

***

التقدُّمُ المتراجعُ ملكٌ غريبْ،

 يَعِدُ بالربيعِ ويزرعُ الخريفْ.

 يُغني اليدَ أحيانًا بما تشتهي،

 ويُفقرُ الروحَ ممّا بهِ تَحْتَفي.

***

يبني القصورَ في الفضاءِ الشاسعِ البعيدْ، ويتركُ في القلوبِ صحراءً بلا وعيدْ.

 يُكثرُ الأموالَ والأرقامَ والكنوزْ،

 ويُضعفُ الحكمةَ التي بها النفوسُ تفوزْ.

***

فالمعرفةُ ليستْ جمعَ كلِّ خبرْ، 

ولا الرؤيةُ تعني إدراكَ الأثرْ.

 وليسَ الامتلاكُ هو الوجودْ، 

ولا الأخذُ وحدهُ سبيلُ الخلودْ.

***

فكم شجرةٍ سامقةٍ نحوَ السماءِ، 

وفي جذعِها داءٌ خفيٌّ كالداءِ.

 وكم غنيٍّ تَحسدُهُ العيونْ، 

وفي قلبِهِ فقرٌ لا تراهُ الظنونْ.

***

قصَّرنا المسافاتِ بينَ البلادْ، 

لكنَّ الوحشةَ امتدّتْ في الفؤادْ.

 قرّبنا الموانئَ والطرقَ والديارْ،

 وأبعدنا الأرواحَ عن دفءِ الجوارْ.

***

أصبحتِ السرعةُ دينَ هذا العصرْ، 

والعجلةُ سورًا حولَ الفكرِ والصبرْ. 

نركضُ خلفَ غدٍ لم يولدْ بعدْ،

 وننسى اليومَ في زحامِ الوعدْ.

***

حتى الصمتُ صارَ تهمةً في الزمانْ،

 وكأنَّ التأملَ ضعفٌ أو هوانْ.

 نجيبُ قبلَ أن نسمعَ السؤالْ،

 فيضيعُ الفكرُ بينَ العجلةِ والجدالْ.

***

قالَ الأوّلونَ: اعرفْ نفسكَ أولًا، 

ففيها تجدُ الكونَ أجملَ وأكملا.

 وقالَ أهلُ العصرِ: اتصلْ دائمًا،

 ولو نسيتَ قلبكَ شيئًا فشيئًا.

***

كانوا يطلبونَ الجوهرَ واليقينْ،

 وأصبحنا نُلاحقُ المظهرَ الثمينْ.

 كانوا يعشقونَ الحكمةَ والبصيرةْ،

 وأصبحنا نُقدّسُ السرعةَ المثيرةْ.

***

لكنَّ قلبَ الإنسانِ ما زالَ هو هوْ،

 تسكنهُ الأحلامُ كما تسكنهُ الشكوكْ.

 تتطوّرُ الآلاتُ عامًا بعدَ عامْ،

 ويبقى السؤالُ: لماذا نعيشُ ونُقامْ؟

***

منذُ أوّلِ نارٍ أضاءتِ الكهوفْ،

 إلى مدنِ الغدِ والآفاقِ والألوفْ، 

يحملُ الإنسانُ في صدرِهِ الصراعْ،

 بينَ الخيرِ والشرِّ، بينَ الفقدِ والمتاعْ.

***

لذلكَ لا ينبغي أن يكونَ التقدُّمُ سيّدًا،

 بل خادمًا للإنسانِ نافعًا ومؤيَّدًا. 

فإذا استولى الوسيلُ على الغاياتْ،

 تحوّلَ الطريقُ إلى متاهاتْ.

***

التقدُّمُ الحقُّ كالفجرِ الجميلْ، 

يُنيرُ الأرضَ والروحَ في سبيلْ. 

لا يفصلُ العلمَ عن الضميرْ،

 ولا القوةَ عن الخيرِ الكبيرْ.

***

يسيرُ مع الروحِ لا ضدَّها،

 ويُنمّي الفضائلَ في ظلِّها.

 يجمعُ العقلَ بالحُبِّ والحنانْ،

 ويجعلُ القدرةَ بابًا للإحسانْ.

***

فأعظمُ تقدُّمٍ ليسَ في الآلاتْ،

 ولا في الأبراجِ ولا في الطائراتْ.

 أعظمُ تقدُّمٍ في يقظةِ الضميرْ، 

وفي قلبٍ رحيمٍ وعقلٍ مستنيرْ.

***

وأعظمُ رحلةٍ ليستْ نحوَ النجومْ، 

ولا عبرَ البحارِ والغيومْ.

 بل رحلةُ الإنسانِ نحوَ ذاتهْ،

 من أنانيّتِهِ إلى حكمتِهِ ونجاتِهِ.

***

وحينَ يفهمُ الإنسانُ هذا البيانْ،

 لن يعودَ يسيرُ ضدَّ الإنسانْ.

 سيجعلُ من العلمِ مصباحًا وهّاجًا،

 ومن التقدُّمِ شجرًا مثمرًا وبهّاجًا.

***

عندها ستقولُ الأرضُ في سرورْ:

 تقدّمنا دونَ أن نفقدَ الشعورْ.

 كبرنا دونَ أن نقطعَ الجذورْ، 

ورفعنا الأيدي دونَ أن تسقطَ النورْ.

***

فأسمى تقدُّمٍ وأبقى انتصارْ،

 ليسَ ما يُغيّرُ المدنَ والديارْ،

 بل ما يُغيّرُ الإنسانَ من الداخلْ، 

ويجعلُهُ أرقى، أنقى، وأكملْ.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology