سوزان موسى دره - سوريا
بينما كنتُ أدبُّ البرغلَ فوقَ مِغلي البندورة، دَبَّتْ في راسي فكرة:
/انا إنسانٌ منقوعٌ بدونِ ماء، وإنما بذكرياتٍ مَرَّ عليها الزمنُ السوريُّ وشربْ/.
بعدَ الغداءِ رُحْتُ أستعيدُ كُلّ ما جرى معي منذُ الصباحِ الباكرِ، كل ما سمعتُه ولمحتُه ولمستُه وتناولتُه وتحركتُ فيه، عَلَّني أَحصُدُ للغدِ شيئاً من شأنهِ أن يبعدَ عني أي دبيب.
بدا صباحاً عادياً إلى حدٍّ يدعو للريبة. كوبٌ من الماءِ على الريق مع قرقعةِ بابِ البراد والتفاتةٌ نحوَ شجرةِ الزيتونِ الضخمةِ التي تفرِشُ أرجاء الحديقة بأزهارها المتساقطة كأنها رسائل قديمة تساقطت من السماء ولم يقرأها أحد، و من الممرِ إلى المطبخ مروراً بالشرفة نحو الأريكة كنتُ أشعرُ أنَّ أغاني فيروز على قناة شام كأنها وطناً لم يعد موجوداً إلّا في الأغنيات.
تحت أكناف رحمة ذلك الوطن، وبرفقة كوبٍ من القهوة غمرتني الذكريات التي شربتُ منها حتى الثمالة و تركتُها تتخمرُ في القلب. مرَّت ساعة دونَ أن أنتبه ضحكتُ للحظاتٍ، ثم أكملتُ إعدادَ الغداءِ، بينما حواسي كانت مشدودةً نحو قنواتٍ عربيةٍ، ثم سوريّة فراحت اخبارٌ مختلفةٌ تتزاحمُ في رأسي مثل النمل.
أصداء القتل الهمجي، والسطو المقصود، ثم أصداء التعثير الخدمي والمعيشي في أحياء مختلفة، مروراً بمخلفات الطائفية، إلى الخسائر التي تكبدتها الأرض، واقتاتها الشعب الشقي، واجترتها الإنسانية، إلى المضحك المبكي في تباين وتنوع الفئات العمرية على مقاعد الامتحانات، مروراً بالفضائح الأخلاقية المقروءة والمصورة والمسموعة، انتهاءً بسيل اللاجئين السوريين العائدين من الأردن مؤخراً. كُل تلك الأصداء جعلتني أشعر ان كل خبر كنملة، وكل نملة تحمل شيئاً من لحم الناس. أمّا قضية الزيادة على المعاش الوظيفي، و التي بات تحسسي لها، يعادل حساسية أي طفل سوري لدبيبِ نملةٍ تتجهُ نحوَ لَحمهِ الطريِّ. فقد جعلتني أشعر ان انتظار الراتب صارَ شبيهاً بانتظار قطرة ماء في موسم جفاف.
لا أفهمُ بالشؤونِ العسكريةِ ولا بالشؤونِ السياسية، ولا في خرائط المصالح، و لا بأيِّ استراتيجياتٍ ولم أُعجب يوماً بقصةِ النَّملةِ والقائدِ الشجاع، ولن أؤمن بالأبطال الذين تنقذ خطاباتهم البلادَ للحظات.
كل ما أعرفه أن الإنسان يجب أن يبقى إنساناً، و أن الفقر سجنٌ لا تقل قضبانه قسوة عن أي سجن آخر، وأن القرارات التي تقتات على لقمة العيش تشبه أسراب النمل حين تهاجم الجسد الحي دون تمهيد؛ تقضِم ببطء، وبدون صوت، و بدون رحمة.
أغلقت مفتاح الغاز، ثم مفتاح التهوية، و مفاتيح الإضاءة، ثم ال Wi- Fi، والتلفاز لكن الدبيب لم ينغلق على نفسه بل بقي يمشي تحت جلدي. وضعتُ الصحونَ على الطاولة، وظَلَّ كل شيءٍ يبدو طبيعياً إلا ذلك الدبيب.
ذلك الدبيب لم يكن تحت الأرض، و لا في الجدران، و لا في الأسقف، ولا في الطعام بل في كُلّ الأجسادِ الجائعة، ولا زال يمشي.
