كزال ابراهيم خدر للفقدان .. اشارة ".كيافطة على بوابة الصرح

 


كاتب وناقد "علي اليدري علمي"المغرب

:

قراءة متماهية.

تمهيد.

في شعر كزال ابراهيم خدر. تتمازج عناصر البديع المفترضة في هذا الفن الأدبي، مع جزالة القضايا التي تتناولها موضوعا، ومطارحة. فيترتب ابداع سامق. سعيد أن أتقاسم مع الرواد الكرام هذه القصيدة التحفة شاهدة. مشفوعة بقراءة مني. مع سابق الترحم على الفقيدة. والشكر لمن اتاحها لنا ترجمة الى العربية، الاستاذ أحمد قادر سعيد. ونشرا، بنتها وارثة سرها. متأملا تفاعلا ماتعا.

. للفقدان ...إشارة

ترجمة: "احمد قادر سعيد

شعر"كزال ابراهيم خدر

1

عندما ذهبتَ

نسيتُ أن أقول للنجوم كي تحرسك

والان في الليالي رويدا ،رويدا

أذرف الدموع كالطفل

وأتضرع إليها

كي تجدك في تلك الأعالي

2

ودَّعتك بقبلة

لم أدرِ أنَّ مدينةً كلَّها

تمطر الطريق بالقبلات

لم أدر أنَّ الطيور

مع نغمات مخنوقة

ستسافر بَعدَك

3

أنا أيضاً أريد.. مثل ورقة

أموت تحت شجرة شعرك

تحاول أنفاسُنا

أن أمنحك أنفاسي

أريد أنْ أرفعَ رأسي

نحو قِبلتِك

وأصلي صلوات عشق

4

لست أدري أين قِبلتك؟

لتصلك كل ليلة أنبائي

إذ لاتهدأ فراشة روحي

وتصل إليك

5

أنتظر كي تأتي في منامي

لأنصبَّ في بحر عيونك

والآن أحلم بجثث الموتى

وفي الليالي أردد

تلك الأغنية الغريبة

التي علمْتني

6

آه يا صاحبي

إن المقاهي في هذا البلد

مقبرةٌ للرجال

والرجال سجن للنساء

7

أنا أحب زماناً  أن تكون سماؤه

وشمسه وبحاره

وإنسانه مثلك

هذا البهاء أنتَ

لست إنسان هذا العصر

8

تعال لأشبع من رائحتك

أنا مَللت جميع الروائح

سوى عبق شعرك

9

بالأمس قلت لبراعم القرنفل كافة

أين صاحبي؟

والأشواك المحيطة بي

تعض أصابعي

10

حين غادرتَ

علمتَني درساً جديداً

علَّمتني كيف أشعر

بسرعة نبضات قلبي؟

كيف أحارب الموت

للفقدان ..إشارة. وللأثر وقع لسعة. أريد أن أسأل: من أين يأتي وجع الفقدان؟ أمن رحيل الفقيد دون أن يأخذ بالاعتبار أنه جزء منا!؟ أم مما يترك من آثاره لدينا!؟ كرسيه الشاغر. تحيته الصباحية. هدية يحملها عند عودته من السفر. ملامحه الشاخصة دقيقة في قامة خلفه ..!

غصة الفقد، لا أحد منا نجا من تجرع مرارتها. لكننا نصر على ذلك، كأن بطيها لذة مستبطنة. وإلا كيف نريد معاكسة معادلة طبيعية تستمد الحياة من خلالها عنفوانها المتجدد! فنتمسك بندبة الفقيد، رغم ان الفقدان يندرج في إطار التجدد كوجه من أوجه معنى الخلود.

وجدتني منذ مستهل قراءتي في قصيدة كزال ابراهيم خدر، تحت عنوان "للفقدان.. اشارة "، خائضا في أسئلة ذات نزعة فلسفية. وهو أمر منطقي. لطبيعة المواضيع التي تطرحها الشاعرة في قصائدها. وطريقة مقاربتها.

" للفقدان .. إشارة " العنوان الذي وضعته الشاعرة لقصيدتها، كيافطة على بوابة الصرح. العابر القارئ لذلك من غير شك يتوقف دهشة. تعتريه غصة الفقد. ويحضره الخيال جموحا لتخمين لا الإشارة فحسب. بل نقط الفراغ بين اللفظين أيضا. فيتهيأ رغبة وشجاعة لاستكشاف الأسرار.

الفقدان بالنسبة للشاعرة كان مفاجئا. لحد اعتباره مجرد ذهاب لا فقدا أبديا. ما جعلها تنسى القيام بالواجب المفترض تجاه الفقيد. وتوصي النجوم بحراسته. فما أعظم فقيد الشاعرة. إذ لم ترقبه جثمانا يوارى جسده الثرى. بل روحا محلقة في الأعالي. ولم تأتمن عليه يدا بشرية. بل عهدت بذلك إلى النجوم، بحمولة رمزيتها من النور والجمال والصدق. تستدرك هكذا تقصيرها عند الليل كطفلة صغيرة . وتتضرع إليها أن تحتضنك في الأعالي. فأية بلاغة هاته في رسم هول الفقد، وبودي أن أهمس للقارئ هنا ان الأمر لا يتعلق ببلاغة في الصياغة اللغوية. بل هي في العمق بلاغة في صدق المشاعر. 

لم تنس الشاعرة أن تودع فقيدها بقبلة عربون حب. لكن الذي هول من حبها له، حين وجدت كل المدينة تمطره قبلا. فالفقيد لم يكن أسير نرجسية الشاعرة. بل كان رمزا توحدت فيه كل المدينة حبا. فتقتادنا هكذا إلى قمة الحب الممكنة. وببديع تعبيرها تنقلنا الى الشجن الجدير بكل فقد. متمثلا في مشهد الطيور المسافرة رفقة الراحل. إنها ذروة المهارة أن يلبس الشاعر الشجن حلة جمال. وحدود الانفطار. تتودد لو تموت كما ورقة صفراء أسفل شجرة، سقطت. لكنها تظل تتنفس لها الوفاء. أو تعرف مستقره نصبا لتصلي صوبه قبلة. وتصله روحها فراشة محلقة هائمة. لتبلغه النبأ. ومن عمق الهيام. ترسم امنية جميلة: ان يفاجئها فقيدها زيارة لها في حلمها. فيخفف من لظى شوقها. هكذا ترهن نفسها انتظارا مستديما له. هو حلم يقظة. فهل يتجسد حلم منام!؟

وتتابع الشاعرة رثاء فقيدها ثناء عليه بصورة بلاغية مذهلة. فبرحيله، لم يعد بالمدينة رجال. ما بقي منهم شتات بين المقاهي مقابر فقدوا فيها قيم الرجولة. أو هياكل سجون تستبيحها النسوة احتلالا. فمقاسه للرجولة ما عاد له في هذا العصر أثر. ورائحة شعره وحدها تشفي لها الغليل. لذلك، تتوسله لو يستجيب لندائها ويحضر. وقد يكون من المفيد التنبيه إلى أن الشاعرة قصدها وضع نصب للوفاء. فتضعنا جميعا على عتبة تحدي الأوج.

في شتلة القرنفل، والأشواك تعض أصابعها. هامت تسأل عن صاحبها. وإن تعذر عليها أن تظفر به شاخصا. تصون منه درسا تحفظه للخلود: أن تحب بافراط، محاربة للموت.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology